د.باسم الطويسي

كل هذا العار الثقافي والعسكري

تم نشره في السبت 24 حزيران / يونيو 2017. 12:08 صباحاً

يستمر مسلسل تدمير الثراث في  المشرق العربي وتفريغه من هويته الحضارية بتواطؤ غير مسبوق في التاريخ وعلى المستويات كافة؛ السياسية والعسكرية والثقافية، الكل متهمون ويتحملون المسؤولية، فقد شهد الاسبوع الماضي جريمة جديدة تضاف الى جرائم تنظيم الدولة "داعش" حينما أقدم على تدمير الجامع النوري الكبير ومنارته الحدباء وهي المئذنة التاريخية ذائعة الصيت التي أخذت الموصل منها اسمها  التاريخي "الحدباء"، حيث حافظت المدينة على هذا الارث الانساني الكبير الذي يعود الى العهود الاسلامية المتوسطة على مدى تسعة قرون وعلى الرغم مما تعرضت له المدينة من حروب وهجمات وحشية، فلقد تعرض الجامع الى الخراب والاهمال واعيد ترميمه مرات الا انه لم يصل الامر ان يدمر بهذه الطريقة الوحشية حتى في زمن حروب المغول.
العراقيون يتساءلون اليوم: ما معنى تحرير الموصل بدون الحدباء، تلك المنارة التي بنيت في عهد نور الدين زنكي وتعد اعلى منارة ومئذنة في العراق ، فقد صمدت نحو 844 عاما ونجت من عشرات الهجمات التاريخية ولكنها دمرت بهذه الهمجية الظلامية، أي غباء وعار يحرك هذه الاجيال التي انتجت كل هذا الظلام وهذه العتمة والمرارة. يروي العراقيون اليوم عشرات القصص التي تدمي القلب حول حجم الفاجعة والخسران، بعضها من الخيال الشعبي الذي يعبّر عن ثراء تاريخي وحضاري عميق وبعضها حقائق تعبر عن وقائع ، كيف يقُتلع هذا الارث العظيم من جذوره وكيف يفرغ الشرق من هويته وتراثه. في العام 1940 تهدمت بعض الحجارة من المنارة ، كلفت الحكومة بنّاءً من أفضل البنائيين في المدينة القيام بمهمة اعادة الترميم واعادة الحجارة المخلوعة الى مكانها، وبالفعل تم إنزال هذا المعماري بصندوق من الخشب من اعلى المنارة وبقي اياما وهو يعيد الأجزاء المهدومة ويعيد رسم النقوش المفقودة والناس في ساحة الجامع الكبير تراقبه وقلوبهم معلقة بهذه المنارة، وبعد ان انتهت المهمة جاء محافظ المدينة وسأل البناء عن أجره، فرفض ان يتلقى اجرا، وقال له "أليس الله صاحب هذا البيت، أاذن اتفاهم انا وصاحب هذا البيت". هذا البناء موصلي مسيحي كان يبني الكنائس والمساجد دون اجر.
لقد فشل العالم في الاصغاء للأصوات التي كانت تطالب بحق الحماية المسلحة للثقافة والتراث الانساني، أي التدخل الدولي العسكري من خلال مجلس الامن ، فحماية الاثار والثقافة الانسانية لا يتقدم عليها في الحماية إلا حق الانسان في الحياة ، فقد فشل العالم بحماية اثار افغانستان وفشل في حماية متاحف بغداد وقت الغزو الاميركي وفشل العالم في حماية اثار مالي وبعد ذلك اثار ليبيا وسورية والعراق. مشاهد المطارق الثقيلة وهي تهوي على رموز واحدة من أقدم وأرقى الحضارات الإنسانية في متحف الموصل ستبقى ذكرى مخجلة في ذاكرة البشرية المتحضرة ، ما حدث للمواقع العراقية والسورية بالفعل أكثر من مأساة ثقافية بل كارثة ثقافية حيث تم تدمير أكثر من 180 تمثالا في متحف الموصل وحده معظمها تماثيل أصلية دون ان يتحرك العالم.
إلى هذا اليوم، لا يوجد تقدير موضوعي دقيق لحجم التدمير والخراب والإبادة التي تعرضت إليها الآثار في العراق وسورية، وعلى الرغم من غضب المنظمات الأممية وعلى رأسها اليونسكو لهذه الجرائم والكوارث المتتابعة إلا أننا لم نلمس أي جهد حقيقي واضح في هذا المجال. خسرت البشرية نحو 70 % من الآثار في نمرود ونينوى فيما اصبحث الآثار العراقية تعرض بشكل علني في المزادات ويتبادلها التجار عبر الحدود بدون قيود فعلية.
حجم الفاجعة الثقافية كبير؛ فقبل الجامع النوري ومنارته تم تدمير متحف الموصل والنُصب الأثرية الآشورية، ومدينة نمرود والمكتبة التاريخية ومخطوطاتها، وعشرات المساجد والكنائس التاريخية في تكريت والموصل ومعبد بل وبعل شمين في تدمر، ما تم تدميره من آثار وتراث في عشر سنوات فاق كل ما حدث من خراب وتدمير على مدى عشرة قرون، ويساويه أيضا ما نشعره من غصة وعار.

التعليق