موفق ملكاوي

"جدل" التنوير

تم نشره في الجمعة 23 حزيران / يونيو 2017. 11:06 مـساءً

 نقاشات كثيرة تدور منذ فترة طويلة، وعلى كل المستويات، حول التنوير، بصفته مخرجا من حالة الجمود التي تعيشها مجتمعاتنا، وأيضا حلا لإشكالية "الإحيائية" التي نحاول من خلالها أن نعيش الحاضر بأفكار "ماضوية"، أو أن نتقدم إلى الأمام باستخدام دروس التاريخ وأدوات الماضي، وما لهذا المفهوم من تعارض صارخ مع الحداثة.
الجدل، وفي كثير من جوانبه، يسعى إلى "ابتكار" آليات نهوض بالمجتمع، كاشفا عن وجهات نظر تتحلى بالحماسة لـ"مشروع" ما تزال خطوطه مبهمة وغير واضحة للكثيرين، حتى من أولئك الذين يخوضون "نقاشات عنيفة" في سبيله.
الجدل، وعلى أهميته، إلا أنه يكشف عن بنية مجتمعية هشة، يتشارك في صوغ هشاشتها جميع الأطياف؛ التنويريون ومن يدّعون التنوير والمعارضون والرجعيون، إن جاز التعبير. وهي بنية أهم ما يميزها إلغاء الآخر وبناء قطيعة مؤدلجة معه، مؤسسة على ما يمكن تسميته الموقف من الميتافيزيقيا، وكأنما التنوير الذي يريده أولئك ينطلق من "بداية عليا" تتأسس على فكرة عليا مسبقة  مفادها "المجتمع الآخر"، وليس فكرة "المجتمع بما هو واقع"، ومحاولة بناء "مشتركات" معه، قبل التأشير إلى رفض "راهنيته".
في كثير من الأحيان، يعمد المتجادلون إلى استشهادات "انتقائية" بنماذج تراثية. ورغم غرابة الأمر مع من يدّعي قطيعة مع التراث، وقطيعة مع ما يمثله هذا التراث والمتمثل بالمجتمع وثقافته، إلا أنه يمكن التأشير كذلك على عيب آخر أو فساد في هذه الاستشهادات، إذ إنها مبتورة وخارجة عن سياقاتها واشتراطاتها، فلكي تكون منصفا وموضوعيا يتوجب عليك قراءة أي تجربة أو أنموذج ضمن شرطيه الضروريين: الزمان والمكان، وهو ما لا يحدث غالبا، بل هي انتقائية تكاد تكون عشوائية يختارها ليحقق فكرته الآنية في الجدل الدائر.
في هذه الجدالات التي تدّعي جميعها أنها تسعى إلى بلورة أفكار حول التنوير وآلياته، ما يزال الكثيرون يمارسون التحفظ المبهم الذي، على ما يبدو، يحقق لهم عدم التورط في إبداء الرأي، ليكونوا في مأمن، لاحقا، في اختيار جانب الغلبة، بينما آخرون يضعون لافتات عريضة وأخرى تفصيلية لما يجب أن يكون عليه التنوير، كما لو أنهم يفتحون درج طاولتهم ويخرجون "مانيفستو" جاهزا، ويطلبون من الجميع التوقيع عليه بلا أي اعتراض.
المشهدية التي يؤسسها هذا الجدل الغريب، ولا أريد أن أصفه بـ"العقيم"، تبدو أحيانا منفصلة عن الواقع، ولا يمكن أن تؤسس لأي فعل تنويري، خصوصا أن كل واحد متمترس خلف رأيه ورؤيته الخاصة، ولا يقبل بأي طرح آخر مختلف، بل يرفضه ابتداء، ويرفض كذلك أن يكون عند غيره رأي مختلف. وهو أيضا، ليس جدلا بالمعنى الفلسفي للمفردة، بل بالمعنى "البيزنطي" البعيد عن التأسيس لطريق واضحة أو خطوط يمكن أن يكملها آخرون، بل هي "ينبغيات" تعلي من شأن القطيعة مع المجتمع الذي ندّعي دائما بأننا نستهدفه بأي فعل!
ورغم أن فكرة التنوير فوقية، بطبيعتها، إلا أنه لا يجوز لمن يشتغل عليها أن يكون فوقيا، وإلا انعدمت الصلة بين المتنورين والمجتمعات المستهدفة، وضاعت الجهود وفشلت سياقات تحقيق الأهداف، فجميع من مارسوا التنوير عاشوا حياة مجتمعاتهم، ولم ينغلقوا على أنفسهم، ومارسوا التنظير من منطلقات موجودة على الأرض، وليس من "ينبغيات" فوقية غير موجودة سوى في رؤوسهم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"المنظومة المعرفية المجتمعية" (يوسف صافي)

    السبت 24 حزيران / يونيو 2017.
    شرحت واجدت استاذ موفق (مع تمنياتنا ان يكون لطرفي المعادلة التي وضعت الحالة المجتمعية على قاعدة رملية سائبة لاتدري كيف تستقر والى اي اتجاه تسير من إسمك نصيب ولوجا لكسرسياسة راس روس "كل واحد بدّو على راسه ريشه ) وهذا ماتم تعريفه بمرض "صراع المعايير" الذي جلّ اسبابه عدم موائمة الوافد دون استئذان وفلترة وتمحيص والمملى من قوانين ومنظمات تحت مسميات ومصطلحات مزركشة "باطنها السم والدسم " وروافع المنظومة المعرفية المجتمعية من قيم وثقافة وأعراف وثابتها العقيدة ؟؟؟ وهذا يتطلب فرز الغث من السمين اولا ووضع قوانين حماية لروافع المنظومة المعرفية وبالخصوص ثابتها "العقيدة" وهذا يعيد للحالة المجتمعية استقرارها المتقبّل لكل تطوير وتنوير ويحدّ من تصلب ممن اراد التنوير "جهلا واو تبعية واوتقليد " وفي المقابل يرفع الغطاء عمّن تلحّف بالقديم والتخويف من القادم "حفاظا على مصالحه الضيقّة" ؟؟؟؟"ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"