هكذا كان العيد في حاراتنا

تم نشره في السبت 24 حزيران / يونيو 2017. 12:04 صباحاً

كانت ليالي وأيام العيد، كل الأعياد؛ الإسلامية والمسيحية، لها عبق خاص في حارات الناصرة القديمة. مناسبات تحمل تقاليد اجتماعية غاية في الإنسانية، تصهر الشعب الواحد، في الفرحة الواحدة. ولأن للأعياد مواعيد معروفة، فإنه كان لانتظار عيد الفطر نكهة خاصة، الكل ينتظر تلك الصرخة من أحد أولاد الحارة "وكْبَرَت... وكْبَرَت"، معلنا العيد.
وسألت كثيرين في الوطن وخارجه، عما إذا كانوا يستخدمون ذلك المصطلح "وكْبَرَت"، المشتق من تكبيرات العيد، ولم أجد بلدة أو بلدا يعرفون "وكْبَرَت"، ما جعلني اعتقد أنه مصطلح نصراوي (نسبة للناصرة)، ولكنه هو أيضا تلاشى عندنا مع مرور السنين، وما أزال أذكره كعلامة لتلك الأيام الجميلة، التي باتت في خانة "كانت".
كان ذلك في نهاية سنوات الستينيات، ومطلع السبعينيات. كنا في تلك الليالي نلعب في الحارة حتى ساعات الليل، فقد كانت القيود البيتية أخف على سهر الأطفال في أيام الشهر الفضيل. وفي اليومين الأخيرين من رمضان، كنا ننتظر العيد بشوق... نجتمع في الحارة، بألعابنا الطفولية، حتى يقفز أحد منا فرحا، وبأعلى صوته صارخا: "وكْبَرَت"، "وكْبَرَت"، "وكْبَرَت".
وفورا كنا نترك كل شيء، ونبدأ بالركض نحو "الجامع الأبيض"، الجامع الأقدم في الناصرة، وقد شُيّد في القرن الثامن عشر. نتدافع أطفالا في أزقة الناصرة العتيقة؛ فالناصرة واحدة من مدن فلسطين القليلة التي تنعم ببلدة قديمة، ولكن من دون أسوار.
نطلق صرخات الفرح، وتكبيرات العيد، حتى نصل إلى الجامع، متجهين إلى الغرفة الجانبية، حيث أجهزة مكبّرات الصوت.  كنا نتكدس في الغرفة، التي بالكاد تسعنا، نجلس أمام ذلك الشيخ الوقور، الذي كان في سنوات عمره الأخيرة، بشوشا، دمثا، يعرف أن أمامه في الغرفة أطفالا من كل النسيج الاجتماعي والديني، في الناصرة التي نحبها.
من كل النسيج الاجتماعي والديني... ولا أحد يلتفت للآخر، بل إلى المؤذن، لنكرر من بعده تكبيرات العيد، وبأعلى صوتنا: "الله أكبر... الله أكبر، ولله الحمد.."، نمضي أجمل الأوقات، ثم نعود إلى الحارة، لنكمل فرحتنا، ونعود إلى بيوتنا لبضع ساعات من النوم.
وفي الصباح الباكر، ليوم العيد الأول، كنا نتقاطر من جميع أنحاء المدينة، نحو "المسجد الجديد"، "مسجد السلام"، الذي تم تشييده في منتصف سنوات الستين، وحمل لقب "الجديد" لسنوات. وفيه مئذنة شاهقة؛ فكانت متعة الأطفال الصعود إلى المئذنة عبر درجها الداخلي الضيق، ولنطل على مدينتنا من أعلى المئذنة، التي كانت في صحن المدينة، المحاطة بسلسلة "جبال سيخ"، اسم جبال الناصرة. كانت المئذنة تحتضن أفواجا أفواجا، وأيضا من كافة أبناء النسيج الاجتماعي والديني، لا أحد يلتفت إلى أحد، فهذا الحضور طبيعي وبديهي...
وهذا المشهد بتفاصيل أخرى، مليئة بالبهجة، كان أيضا في الأعياد المسيحية في مدينتنا الحبيبة، ينصهر أبناء البلد الواحد في أعياد الميلاد وأحد الشعانين والفصح، كما هو الحال في الفطر والأضحى... تنصهر الناس في كل تقاليد الأعياد الشعبية... ولا تهمل واجباتها الدينية، ولكنها كانت ترى في المناسبات الدينية، مناسبات أيضا لزيادة الألفة وتعميق الفرحة ببساطتها...
يومها وما قبلها، كانت الحياة بسيطة جدا، خالية من التفاصيل المعقدة التي نعيشها اليوم، وكذا كانت مفاهيم الدين، وعادات المتدينين.
يومها وما قبلها، كان الناس يأتون إلى الدنيا، ويرحلون عنها أفواجا أفواجا؛ ويومها، كان التدين بالفطرة، وكانت أبواب الجنة مفتوحة لمن يرحلون منهم.
يومها في أحيائنا... لم يكن تكفيريون، ولم يكن تجار دين، من كل الأديان... وكانت بهجة الحياة أكبر.
فليكن عيدا سعيدا جميلا، رغم بؤس المرحلة... لأننا نبقى أصحاب أمل، متفائلين بما هو أفضل، يعيدنا إلى تلك الايام، نحمل منها الجميل، ونزيد عليه ما هو أجمل...
وَكْبَرَت... وَكْبَرَت...
كل عام وأنتم بكل الخير.

التعليق