علاء الدين أبو زينة

العيد لمجرد الأمان النسبي..!

تم نشره في الأحد 25 حزيران / يونيو 2017. 12:08 صباحاً

شارك ناشطون على "فيسبوك" قبل أيام فيديو يعرض طفلاً فلسطينياً ينادي بحرقة على والده الذي يعتقله جنود الاحتلال، ويحاول أن يتبعه بين سيقان العسكر إلى العربة العسكرية التي ينقلونه فيها. وإلى جانب الطفل، يتشبث الجد بابنه أيضاً، ويصر على أن يعتقله الجنود هو الآخر، لأن الحياة من دون الأحبة أقسى من الأسر. وبين الطفل والجد، ثمة الزوجة التي ويلها على الولد، وويلها على الزوج، وويلها على الجد.. ويل على ويل! كيف سيكون العيد بالنسبة لهذه الأجيال الفلسطينية الثلاثة؟
في سورية، ينهمر الموت من كل الاتجاهات، ويتجمع كل محترفي الموت والخراب على الشعب السوري. في ليبيا، الناس تائهون، لا يعرفون مَن هو الذي يرتب أقدارهم في منطقة أصبحت بلا مستقبل واضح وسط صراع الميليشيات على المصلحة. وفي العراق، تكمن المفخخات للناس في الأسواق وحول الزوايا، ويقيم البلد في منطقة حرجة بلا انتهاء. وفي اليمن، يموت الناس من الجوع والكوليرا دون أن يسمع صوت استغاثتهم أحد. وفي بقية الأماكن، يعيد الناس اكتشاف علاقاتهم مع كل شيء، ويتحسسون مكانهم الحقيقي من الإنسانية، فيحتارون.
حيث لا حرب مباشرة في الشوارع، يحاول المواطنون الدفاع عن أنفسهم ضد الأزمات الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية، والخوف من انتقال عدوى العنف إلى أوطانهم أو استهدافهم بالحصارات. وبدلاً من تلبية دعوة ودودة من شيء واعد في الأمام يعين على مواصلة الطريق، يهرب الناس إلى الخلف بحثاً عن نقاط إشراق قديمة، في اجترار إجباري يفرضه شح الحاضر وإجداب المستقبل. وفي الحقيقة، لم تعرض حياة المنطقة في العقود الأخيرة على مواطنيها أكثر من التراجعات، وضيق الآفاق، وانعدام الحلول، وفشل المشروعات، وتقويض المنجزات، وهزال الحريات.
في العيد، الذي تغير كثيراً أيضاً، سوف يمارس الذين يعيشون في المناطق التي ما تزال فيها الشوارع تسمح بالحركة ما يستطيعون من الطقوس. سوف يزورون أقاربهم الذين لم يروهم منذ العيد الفائت، وفاء لواجب العيد. وسوف تتناول العائلات التي تستطيع وجبة في مطعم ما. وسوف يتهيأ الحريصون على تقاليد العيد المختزلة في المصاريف لمعاناة الشهر القادم. لكن الذين يريدون أن يصنعوا معنى للعيد وسط كل هذه الفوضى، سوف يستشهدون غالباً بشيء واحد: أنهم ما يزالون على قيد الحياة، ويعيشون بأمن نسبي.
عندما ينظر الفرد في بلد ناجٍ من الحرب –وما من بلد ناجٍ من القلق- ويقارن وضعه بمآسي الآخرين في الجوار، فإنه ربما يجد العيد في مجرد السلامة. إنه في النهاية لم يتشرد، لم يُعتقل ويُعذب، لا يعيش في منطقة حرب يتربص فيها الموت على بعد رصاصة أو انفجار مفخخة، وليس رهينة للقمع والإذلال في بلد محتل.
لكننا نعيش في منطقة أزمة بالإجمال تظللها الغيوم السوداء التي لا توقفها الحدود. ومن الواضح أن المصائر تتقرر بآليات خارجة عن الإرادة وغير متوقعة. والسالم اليوم ربما لا يسلم غداً. ووسط هذا الإرباك الطاغي، لم يعد من الواضح من هو المحق؛ أهو الذي يستطيع أن ينفصل عن كل هذه التراجيديا و"يعيش حياته"، كما يقولون، أم أنه الحذر الذي يراقب ما يجري حوله ويحاول أن يستوعب، عله يفلت من الفخاخ؟ وإذا كان الخطر أنى وليت وجهك، فكيف العيد؟
يصعب أن يعني الوجود بأمان نسبي في حالتنا عدم الاكتراث. قد لا يستطيع المرء التفكير بغيره عندما تكون حياته هو تحت خطر داهم. لكن الراحة النسبية تسمح بالنظر في المحيط الغاصّ بملايين الأيدي التي تلوح طلباً للغوث. وقد يسد المرء أذنيه بشيء وينظر في الناحية الأخرى، لكنه سيشبه النعامة التي تغمس رأسها في التراب.
العيد هو شيء لم يعد الناس يختبرون حقيقته في هذه المنطقة. والأمان النسبي الهش المسكون بالتوقع ليس مناسبة للاحتفال الحقيقي. كان الفلسطينيون يقولون "كل سنة وأنت من العائدين" تورية للعودة إلى الوطن، ولم يكن الوطن أبعد في أي وقت مما هو الآن. ولكل الآخرين، أصبحت الأمنية بعيدة تماماً أيضاً عن المجاز. أصبحت التهنئة بالنجاة من العام الماضي، وتوسل النجاة في العام القادم، هي كل معنى العيد.

التعليق