عيسى الشعيبي

"بأية حال عدت يا عيد"

تم نشره في الخميس 29 حزيران / يونيو 2017. 11:05 مـساءً

في أيام العيد المنقضية لتوها، وفي كل عيد سابق، يتبادل الملتاعون والشاكون والمتعبون، وكل من في سويتهم، ذات المشاعر الرائجة في مجالسهم، عن القلق والهم والغم والاحباط المشترك، الطاغي في مثل هذه المناسبة، المعرّفة اساساً كعيد سعيد، بعضهم يعبر عنها بصوت رخيم اقرب ما يكون الى مواساة النفس، فيما بعضهم الآخر يجأر بالعويل ازاء سوء الطالع وتجهم الاقدار، مع شيء من اللوم والهجاء والبكاء على الحليب المراق.
ولعل اكثر العبارات شيوعاً على عتبة العيد، وترداداً في رحابه، قول شاعر العرب الاكبر ابو الطيب المتنبي، في مطلع قصيدته الشهيرة "عيد بأية حال عدت يا عيد  بما مضى ام لأمر فيك تجديد"، تلخيصاً لما يشعر به عامة الناس من حزن وما يواجهون من مصاعب ومتاعب، وضآلة فرص وقلة خيارات وانسداد دروب، ُتفاقم ما لديهم من شقاء مقيم من حول الى حول، دون ان يكون في وسعهم تعديل حظ مائل، او اجراء مصالحة مع الذات.
هذه النبرة التي تفيض بالأسى المعتق في النفوس جيلاً اثر جيل، بدت معتادة في احاديث العيد الى ابعد الحدود، ولازمة من لزوميات المجاملات الاجتماعية خلال تبادل الزيارات بين واصلي الارحام والاصدقاء والجيران، وكأن كل واحد منخرط في مباراة كلامية، يتقاذف فيها مع الغير وجهات نظر متطيرة حيال احوال البلاد والعباد، واوضاع العرب والمسلمين، لا لشيء سوى التشارك في خيبات الامل، وتبادل الاوجاع، وتعميم كل ما يخطر على البال من منغصات.
والحق ان الحال العام ليس على ما يرام، وان الاوضاع كانت على هذا المنوال منذ سنوات طوال، الا ان اكثر الناس يتناسون اننا واجهنا في اوقات مضت ما هو اصعب بكثير مما نحن عليه الآن، فيما الشكوى المريرة ظلت على ما هي عليه من احتدام، الامر الذي يشي ان التذمر بات فلسفة اجتماعية ضاربة في عمق الوجدان العام، وان التبرم تحول الى خبزنا اليومي، وذلك على نحو ما تلهج به ألسنة الساخطين، وما يتردد على افواه اليائسين والبائسين، الذين ما انفكوا على عهدهم مع المتنبي وقوله الاثير "عيد بأية حال عدت يا عيد".
لقد حفزني مطلع قصيدة المتنبي، الواقعة في ثلاثين بيتاً، على التحري عما اذا كانت شكوى شاعر العربية الأعظم ناجمة عن حالة تشاؤم خاصة أرخت بكلكلها على صدر طالب الامارة، ام انها كانت تشخيصاً منه لحالة اشمل وأعم سادت في زمانه، ذات ليلة قبل نحو 1050 عاماً بمناسبة عيد الاضحى في قاهرة المعز، يوم نظم رائعته هذه، وهو ينوي الانتقال من ديار كافور الى رحاب سيف الدولة الحمداني في حلب، غاضباً ويائساً مما ألت اليه حال البلد الذي نامت فيه نواطير مصر عن ثعالبها.
بمراجعة سريعة لوقائع تلك المرحلة الزمنية البعيدة، يجد المرء ان ابا الطيب قد مزج الخاص بالعام، وانه راح يوسّع نطاق همومه واهتماماته، وينقلها من الحيز الذاتي الى الاطار الموضوعي عن سابق وعي وادراك، فجاءت رائعته الشعرية هذه بمثابة قراءة متمعنة لما رأى بأم عينه من انهيارات ضاق بها صدر الشاعر، وتحولات سياسية اخرجته عن طوره، الامر الذي دفعه دفعاً للرحيل الى حلب مجدداً، لعله  يعثر في كنف سيف الدولة على الامارة، او قل ضالته المنشودة.
وهكذا اذن، تبدو الشكوى ومعها التذمر والسخط، كرفيق دائم للإنسان على طول وعرض هذه الرقعة الشاسعة من الارض، ليس في زمن المتنبي فقط، وانما قبله وبعده، ولو قلّبنا صفحات اخرى من التاريخ الاجتماعي لهذه البلاد، لوجدنا أن ما أثار جزع أبي الطيب كان مجرد حاشية على متن صفحة واحدة من كتاب اللوعة العربية الضخم، تلك اللوعة التي بدأت مع الحروب الداخلية في الاسلام قبل نحو1400 سنة، واستمرت فصولاً على هذا النحو او ذاك، الى يومنا هذا.
 وماذا لو عاد أبو الطيب الى حلب ليلة العيد في هذه الآونة، وشاهد ما لحق بها من خراب؟ وماذا لو عرج على بغداد والموصل والرقة وغزة وتعز وصنعاء، وغيرها من المدن والأمصار؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خطأ لغوي في العنوان (من أبناء قطاع غزة في الأردن)

    الجمعة 30 حزيران / يونيو 2017.
    الصحيح أن تقول: "بأي حال عدت يا عيد"
    أو "بأية حالة عدت يا عيد"
    مع التحية.