وجهان لـ عمَّان + وجه ثالث للمدن الكبرى

تم نشره في الخميس 29 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

(1)
وجهان لـ عمَّان، أولهما بمثابة (رَحِم) يُحنُّ إليه بصفته استحضاراً حميماً لزمن جميل في الجغرافيا المكانية، وثانيهما بمثابة (قبر) يُستجار به من بـ رَحِم مفقود. الرَحم مكان والقبر زمان، بينهما تشكلّت عديد حيوات، حَنَّت واستجارت، إلى حدٍّ حالت معه الذكرى المكانية إلى نوعٍ من الحنين الزماني، فنحنُ إذ نَحِنُّ إلى مكانٍ فإننا نَحِنُّ بالأحرى إلى لحظةٍ ما في ذلك المكان، وليس إلى المكان حصراً. لكن المفارقة التي أشيرُ إليها هَهُنا مُتعلقة بحنينٍ يتجاوز الزمان الذاكراتي إلى الزمن النصّي. فتلك الجغرافيا المكانية وما صاحبها من ذكريات، تمّ نقلها إلى الورق عبر نصوص بعينها، فصارت تلك النصوص هي الرحم الذي يُحنّ إليه، في حين حالت الجغرافيا المكانية إلى قبرٍ يُستجار منه.
في الرحم، رَحِم عمَّان، تموضع كُلّ من "خير الدين الزركلي" في كتابه (عامان في عمان) (اختار هنا عينةً من النصوص، اقتضاء لواقع الحالة المُشار إليها) ساعة قارب عمّان في عشرينيات القرن الماضي؛ و"هاشم غرايبة" في رواية (الشهبندر)؛ و"سميحة خريس" في روايتها (دفاتر الطوفان) ساعة قاربا عمّان ثلاثينيات القرن الماضي؛ و"عبد الرحمن منيف" في كتابه (عمان في الأربعينيات) و"موفق عادل خزنة كاتبي" في كتابه (محطة عمّان في الأربعينيات من القرن العشرين كما عشتها وعرفتها)؛ و"فؤاد بخاري" في كتابه (عمّان: ذاكرة الزمن الجميل) وسيطاً بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي؛ و"زياد قاسم" في روايته (الخاسرون) ساعة قارب عمّان الخمسينيات.
في القبر تموضع "فالح الطويل" واستحضرَ عمَّان –عمَّان البعيدة جغرافياً- في مذكراته: (في الطريق إلى عمَّان) كرَحِم يُحَنُّ إليه وإلى طمأنينته الجنينية. فـ "فالح الطويل" سيقضي سنواته خارج عمَّان سفيراً ودبلوماسياً للأردن في عدد من الدول العربية والأجنبية، إلا أنَّ الطريق إلى عمان صار طريقاً طويلاً، لذا انتقل الرَحِم من إطاره الزماني في المكان، إلى إطاره الزماني في النصّ. لقد تشبّحت عمّان في ذهن "فالح الطويل" كذكرى يتم استحضارها في ذهنه فقط، بما جعل من نصّ (الطريق إلى عمَّان) نصّاً موازياً أو بالأحرى مُكمّلاً للنصوص التي أتيت على ذكرها أعلاه. ولربما أشَّر هذا من ضمن ما أشَّر عليه إلى تحوّل عمَّان إلى مدينة بلا حضن قادر على أن يستوعب الرؤوس المُتعبة والمُنهكة، بفعل وتيرة الحياة المتواصلة والمُضنية. أيّ أنّها تحوّلت، كما تحوّلت المُدن الكبرى، إلى (قبرٍ) واقعي، فصار اللجوء إلى (الرَحِم) النصّي أمراً مُلحَّاً ومطلوباً، لكي لا يفنى الإنسان في لجّ الآلات والسيارات والضجّة والغُرف المُغلقة والعواطف السلبية. فعندما امتلأ الرحم بماء الخلائق التي بدأت ترفد عمَّان بداية القرن الماضي، بدأ الجنين، جنين المدينة الكبيرة ينمو وتتبرعم أعضاؤه، فأخذ يأكل لحم هذا الرَحِم ويشرب ماءه إلى حدّ أن صار الرَحِم قبراً. فمع كل زيادة في عدد السُكّان انعكس ذلك على طبيعة المدينة، وتطوّرها العمراني، بما أمحل الإنسان من الداخل وأثراه من الخارج. وقد يكون في مذكرات "عارف الطويل" تأثيم من نوعٍ ما لعمَّان، وإن انطوى ظاهر النصّ على حنينٍ للمدينة الأم، فهو يُريدها لكي يركن عليها رأسه ويريحه ممّا ألَمَّ به من ضنكٍ وتعب. لكنه يبقى خارجها، إلى درجة أن تحلّ هذه الصيغة المأساوية في وجدان القارئ، فهو إذ يحنّ إلى عمَّان فإنه يحنّ إليها في نصّ "فالح الطويل"، كما حنَّ إلى عمَّان في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي في نصوص: خير الدين الزركلي وهاشم غرايبة وسميحة خريس وعبد الرحمن منيف وموفق عادل خزنه الكاتبي وفؤاد بخاري وزياد قاسم؛ فتلك الذكريات الجميلة التي عملوا على توثيقها في نصوصهم، لم يعد لها وجود في الواقع المعيش، بل حالت إلى ذكريات شبحية في تلك النصوص، لذا نحنُ نستحضر الذكرى المكانية المتموضعة في الزمان النصّي، أكثر من اسحضارنا –أو حتى استحضار بعض الكُتَّاب- لذكريات حقيقية في الزمان الواقعي.
(2)
وجه ثالث للمدن الكبرى، وجه حزين، كئيب، مُبْكٍ، فهي إذ تنتقل من طور البساطة العفوية التي تجمع حول أرض زراعية أو نهر صغير أو جدول ما، أو سيل ماء كما هو الأمر لعمّان بدايات القرن العشرين، إلى طور التعقيد الذي تتشابك فيه مصالح كثير من الخلائق، وتتداخل فيه الحقوق والواجبات، إلى حدّ البحث عن بديلٍ موضوعي يطمئن إليه الإنسان، بعد أن انفجر المكان في وجهه، ولم يعد قادراً على احتمال هذا التضخّم الكبير في كل شيء.
ولقد كان لتطوّر المدن في العصور الحديثة واستحالتها إلى مناطق معقدة على المستوى النفسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والآيديولوجي، دور رئيسي في انبثاق الرواية العالمية إلى حيز الوجود. فتلك الصيغة (البِكِر) من العلاقات الإنسانية وعلاقتها بالتطوّر العمراني في الجغرافيا، فُقدت وانْتُهِكَت خصوصيتها، ولم يعد بمقدرو الإنسان أن يمشي بجانب جدول ماء يترقرق سيالاً بين البيوت والأسواق، أو يُعاين حركة الناس جميعهم في سوق المدينة، أو يعدّ بيوتات المدينة بيتاً بيتاً. من هنا صار البحث عن معادل موضوعي يخلق نوعاً من التوازن السيكولوجي بين درجة حرارة النفس العالية في الداخل والبرودة التي تشعّ من الغابات الأسمنتية المتوحشة والعلاقات الاجتماعية المُوحشة في الخارج، بما يبقي على علاقة حميمة بين الإنسان وذكرياته الجميلة عن المكان الذي يتواجد فيه.
وقد كان للنصّ الأدبي أن يخلق هذا المعادل ويشتغل عليه، بما جعل الناس تنزح ناحية الزمن النصّي؛ فالزمن الماضوي زمن غير واقعي، بل ثمة استحالة في الرجوع إليه، لكن الزمن النصّي زمن آسر بالمحصلة، فهو (رَحِم) المدن الكبرى، في حين أنها في واقع الحال (قبر) كبير يشتمل على بناياتها وشوارعها وعلاقاتها وأسواقها...الخ.
ولم تكن عمَّأن بمنأى عن هذا التطوّر الخطير، فالمسوّدة التي صيغت عليها المدينة في نسختها الحديثة بدايات القرن الماضي، وافْتُتحت بسيل ماء وسوق صغير، حالت اليوم إلى مسوّدات كثيرة حطمّت الإنسان وجدانياً بعد أن حاصرت بصره مكانياً وحصرت بصيرته زمانياً. صار أفقه البصري في المكان محدوداً بفعل الامتداد الأفقي والعمودي للبنايات، وصار أفقه الاستبصاري في الزمان محدوداً بفعل تداخل العلاقات الكثيرة والمعقدة مع أناس يعرف بعضهم ولا يعرف معظمهم. ودائماً عندما أمشي وسط مدينة عمَّان صحبة أصدقاء من خارج الأردن، أشعر باختناقٍ في بصري المكاني وبصيرتي الزمانية، فعمّان الوديعة التي كان الماء يترقرق في واديها، وتبرز على مشربيات بيوتاتها أصص الأزهار، تحوّلت اليوم إلى مكان يقضم قلب الإنسان، ويدمي وجدانه. لذا أشعرُ أن الإحالة إلى النصوص هو خير معين لجلبِ عمّان الجميلة إلى الذاكرة، وخلق نوعٍ من الحنين معها، حتى لأولئك البعيدين عنها. فمعادلة (القبر/ الرحم) معادلة أوديبية –نسبة إلى مسرحية أوديب لسوفوكلوس- بامتياز، ليس لناحية البُعد الأيروتيكي/ الجنسي فيها، بل لناحية الحدّ المعرفي الذي يجب أن يقف عنده الإنسان. فالمدن تجاوزت حدّها في العلاقات والعمران، لذا كان عليها أن تدفع ثمناً باهظاً وتفقأ عينيها في الواقع المعيش -كما فقأ "أوديب" عينيه- فصارت تسير على غير هدى، بما جعل الإنسان يتجنّب الاصطدام بهذا الوحش الهائم على وجهه، وينزوي ناحية ابتكار إنساني كبير تجسّد في نصوص أعادت له طمأنينته أو بالأحرى رَحمه الذي يركن إليه، هرباً من قبر مُوحش. فهو إذ يستحضر وداعة المدن، فإنه يستحضرها في نصوص تُجمّل الواقع ويضفي عليه نوعاً من الحنين يبقى عالقاً بالذاكرة إذا ما لامس وجدان الإنسان، لا سيما ذلك الوجدان المجروح بفعل علاقة متوّترة وموتورة بين رَحِم مُشتهى ذهنياً وقبر مُشوّه واقعياً.   

التعليق