د.باسم الطويسي

انتحار التلفزيون

تم نشره في الجمعة 30 حزيران / يونيو 2017. 11:07 مـساءً

وسط المشي المتعب في جنازة الصحافة التقليدية بات لا يمكن التغاضي عن سماع الاصوات التي تحذر مما لحق بصناعة الاخبار التلفزيونية من خراب وتراجع، وتحديدا خلال العقد الاخير، ليس بفعل الإعلام الرقمي وحده، بل بفعل ما اصاب هذه الصناعة من تراجع مهني واخلاقي، ما جعل البعض يعتقد ان التلفزيون ينتحر واقفا؛ اي انه يموت وهو في عز قوته، فما يزال التلفزيون هو المصدر الاول للاخبار في الكثير من المجتمعات، وعلى الرغم من المنافسة الشرسة لأدوات الإعلام الرقمي وتطبيقاته الا ان المصدر الاول للمحتوى على الإعلام الرقمي ذاته يأتي في الاغلب من التلفزيون او من صناعة الفيديو.
تقدم المنطقة العربية أدلة صادمة على صعود  صناعة التلفزيون السريعة خلال عقد ونصف العقد حتى كادت ان تكون من اكثر اقاليم  العالم استثمارا في هذه الصناعة، ثم باتت تتراجع بصورة صادمة وتدخل في عشوائيات من البث الفضائي المزدحم. صحيح ان التلفزيون بشكله التقليدي في طريقه للاندثار خلال سنوات ليست طويلة ومصيره ذاهب نحو الاندماج في الخدمات الرقمية لكن العالم الإعلامي الجديد يأخذ الكثير من ارث التلفزيون وملامحه.
أصبح التلفزيون خلال النصف الثاني من القرن العشرين النافذة الإعلامية الأوسع استقطابا للجمهور والأكثر تأثيراً به، وغيّر التلفزيون من صناعة الأخبار، وانتقلت التغطية الإخبارية إلى الإثارة والدراما الإخبارية. لقد شاهد العالم تحول بنية الأخبار في الأحداث الكبرى التي كان التلفزيون أحد أبطالها: حرب السويس، اغتيال الرئيس جون كيندي ومارتن لوثر كينغ، حركة الحقوق المدنية، حرب فيتنام، الهبوط على سطح القمر، فضيحة ووترغيت.  كما قاد التلفزيون لأول مرة في تاريخ الإعلام الجماهيري الأخبار لتصبح مصدراً لجمع المال من دون مساعدة من أخبار الرياضة أو مواد الترفيه، أي إن قيمةً ومعيارا آخر أخذا يبتعدان عن مبدأ أن الأخبار خدمة عامة للجمهور. عملت ستة عوامل أساسية في عملية التحول في ثقافة الأخبار التلفزيونية؛ الأول: السرعة قبل الدقة، ازدادت حدة التراجع المهني في الأخبار التلفزيونية نتيجة التنافس المحموم وبرزت التضحية بالدقة لصالح السرعة. بدأ هذا الاتجاه يتعمق منذ حرب الخليج العام 1991 وبرز بقوة في تغطيات حوادث "الحرب على الإرهاب". الثاني: هيمنة المشهد التلفزيوني، فبرزت قيمة الأخبار ذات البعد الاستعراضي أو المشهدي على حساب قيم إخبارية أخرى، والمشهد يذهب نحو الإشارة ولفت الانتباه مثل مشاهد عبور الدبابات الأميركية لنهر دجلة ومشاهد ثورات "الربيع العربي". الثالث: الدراما والإثارة؛ الأخبار التلفزيونية تتجه نحو المشاهد الدرامية والمثيرة التي قد يأتي بها أحياناً التحرير الانتقائي مثل "الاقتباسات المثيرة" المكررة التي عادة ما تخاطب العواطف. الرابع: التفاعل على حساب العمق؛ تنجذب الأخبار التلفزيونية نحو التفاصيل والتداعيات وردود الأفعال على حساب التغطيات العميقة. الخامس: مراسلون أبطال؛ تميل الأخبار التلفزيونية أكثر فأكثر إلى تقارير المراسلين الأكثر إثارة وقدرات استعراضية، حيث جعل البث المباشر من المراسلين أبطال القصص الإخبارية أكثر من الفاعلين، وأبرز التلفزيون شخصيات إعلامية تمس بتقاليد المهنة وأصولها. السادس: العالم الخماسي؛ أخبار التلفزيون تكاد تختصر العالم في خمسة أوجه للأخبار: السياسية، المال والاقتصاد، الكوارث، النشرة الجوية، والرياضية.
في المحصلة؛ المعركة الحقيقية لن تحسم من قبل التكنولوجيا بقدر ما سيحسمها المحتوى، ومن يستطيع ان يبدع ويبتكر في كسب ثقة الجمهور وولاء المجتمعات.

التعليق