موفق ملكاوي

بماذا يفيدنا سوفوكليس؟

تم نشره في الاثنين 3 تموز / يوليو 2017. 12:04 صباحاً

في زمن إسخيلوس، لم يكن المشهد يتسع لأكثر من اثنين، وإن كان لا بد من ثالث، فهو بالتأكيد "الكورس"، أو الجمهور الصامت الذي يواكب الحدث أو الحوار أثناء حدوثه، أو يجلّيه ويلقي مزيدا من الضوء عليه بعد حدوثه. لكن ذلك لا يمنحه دورا في الحدث، بل سيبقى وجوده هامشيا من دون أي تأثير في السياقات.
في فكرته عن صراع الخير والشر؛ يبقي إسخيلوس الجمهور بعيدا عن دور اللاعب، فالمصائر تتحدد بالأقدار والمؤامرات والتي تمسك بزمامها كل من الآلهة والأبطال الأسطوريين، وأيضا الطامحين بالبطولة والمناصب.
كان إسخيلوس "ثنائي الفكر"، يعتقد أن "الحدث – التاريخ" ينشأ من تصادم نقيضين؛ آلهة وأنصاف آلهة أو أبطال، وجهة نظر وأخرى تنقضها. رأي ورأي مخالف أو آخر. وهو بذلك لم يستطع أن يخرج من سياقات استقامة حراكية التاريخ بما يمكن أن يؤسس لنظرة شمولية تمنح التاريخ فرصة بأن يكون فوضويا وغير خاضع لأي قانون، ولا لأي محاولة لبلورته في شكل أو خط معين.
سوفوكليس، الذي جاء بعد صاحبه، لم تعجبه هذه الثنائية، فقد رأى إلى الحياة برمتها، وإلى العالم، على أنه خريطة من القرارات المنفردة التي يمكن لها أن تشكل تغيرات مهمة في سياقات المصائر النهائية. لعل هذا الأمر هو ما أعطاه ابتكاره الأهم، على المسرح، وهو أن يضع ممثلا ثالثا على الخشبة، حتى لو كان مجرد مشارك في البطولة والأضواء، لكن ذلك منح فرصا أكثر للتأثير في الأحداث، وتغيير مساراتها ومصائر الشخوص، وأيضا جعل الحدث أكثر سرعة، وأزال عنه الرتابة والتباطؤ.
من خلال هذه الرؤية، كتب سوفوكليس مسرحيته المهمة "انتيغوني"، والتي لم تكن المصائر فيها متحددة بالزمن الحاضر فقط، بل متعلقة أيضا بقرارات سابقة لأبطال غابوا عن المشهد، رغم أن العقدة الأساسية فيها تمحورت حول قضية "التمرد على السلطة المستبدة". ولكن، وكما قلت، فالمصائر كانت تحددت في السابق، حتى قبل قبل ولادة الأبطال الحاليين، بواسطة قرارات اتخذها سابقون لهم: أوديب الأب الذي قتل أباه لا‌يوس وتزوج أمه جوكاستا لينجب منها أربعة أبناء.
الصراع الحاضر لا يتمحور، فقط، حول أحداث آنية، بل، أيضا، حول تبعات الماضي الذي طارد الأبطال، واللعنة التي حلّت بابني أوديب، ليقتتلا ويموتا كل على ضفة؛ الأول على مذبح السلطة السياسة، والثاني على مذبح العامة والسلطة الدينية. وفي هذا الاختلاف صراع هائل بين من يمثل الشرعية الآنية، خصوصا أن هناك تمظهرات عديدة لمفهوم السلطة في هذه المسرحية، وتباينات وأسئلة حول السلطة الأعلى؛ سياسية أم دينية؟
المتصارعون كانوا من عائلة واحدة، انحاز كل واحد منهم إلى خياراته التي رأى فيها مصلحة عامة، وحاول أن يبرر تلك الخيارات، غير أنها، جميعها، قادت إلى سياقات المصائر النهائية التي لم تتحدد بثنائية سطحية كما كان يقترحها إسخيلوس.
لكن، وبعد أكثر من 2500 عام، نسفنا منظور سوفوكليس، وتشبثنا بما أقره إسخيلوس، لتعود البشرية إلى المربع الأول، تتصارع من أجل إثبات وجهة نظرها؛ السلطة السياسية أم الدينية، بينما الطرفان المتصارعان يؤبنان قتلاهم ويعمدانهم شهداء على طرفي نقيض. بعد كل هذا الكم الهائل من السنوات، ما نزال نعتقد بالثنائية المقدسة، من غير أن نكتشف أن التاريخ فوضوي ويتأثر بجميع السياقات والبيئات التي تتخذ فيها القرارات، وأن إعادة التاريخ كذبة انطلت علينا، فصفقنا لها فرحين بانتظار أن تدور الساقية بالبلهاء.

التعليق