عيسى الشعيبي

أسيرٌ على درب الحرية

تم نشره في الاثنين 3 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً

قد لا يكون باسل غطاس معروفاً على نطاق واسع كغيره من النواب العرب في الكنيست الاسرائيلي، ولا يحظى بشعبية كبيرة خارج نطاق مجتمعه العربي الفلسطيني في أراضي الـ 48، إلا انه منذ هذه اللحظة الفارقة في حياته، سوف يكون له من اسمه نصيب وافر، وسيتحول باسل الى شخصية وطنية يشار اليها بالبنان داخل فلسطين، قائداً يلهم اجيالاً من المناضلين، ويقدم لهم قدوة يقتدى بها في الثبات والصمود، والمقاومة بكل أشكالها المتاحة، في وجه دولة الظلم والعدوان والتمييز العنصري، الذي بلغ في قضية غطاس هذه نقطة تحول كاشفة لحقيقة آخر دولة احتلال على وجه الارض.
 إذ على خلفية مساندته لإضراب الاسرى والمعتقلين، الذي دام نحو اربعين يوما، وتوقف مع حلول شهر رمضان، قامت الكنيست بتجريد باسل غطاس من عضويته المستحقة كنائب منتخب، ثم جارت عليه محكمة اسرائيلية بالحبس مدة عامين، بتهمة مشرّفة له، وهي تهريب هاتف نقال الى المعتقلين المضربين عن الطعام في احد "الباستيلات" التي تضم نحو 6500 من مقاتلي الحرية، في محاولة بائسة من سلطة الاحتلال الغاشمة لترهيب المجتمع العربي الفلسطيني، ومنعه من إبداء التضامن مع اشقائه الواقعين تحت احتلال عسكري متواصل منذ خمسين عاماً.
ومع ان بعض الافكار والمقاربات التي كان يطرحها عضو الكنيست السابق، لا تحظى بالإجماع في مجتمع تعددي بالفطرة، ولا يؤيد الكثيرون مواقفه الخلافية ازاء السلطة الفلسطينية مثلاً، الا ان المناضل باسل غطاس كان محل تقدير واحترام سائر قادة المجتمع العربي على اختلاف اطيافهم السياسية والفكرية، حيث وقف هؤلاء القادة على رأس حشد جماهيري واسع في قرية الرامة الواقعة في اعالي الجليل، ليلة ذهاب باسل الى المعتقل، لوداع عضو القائمة العربية الموحدة بصورة لائقة بسيرته الوطنية، تحت شعار جامع "أسير على درب الحرية".
ولم يكن المشهد امام اسوار معتقل "جلبوع" صبيحة يوم دخول باسل وراء القضبان، أقل بلاغة من مشهد الوداع الجماهيري الليلي المؤثر في الرامة، لا سيما ما تجلى في كلتا الحالتين من مظاهر وحدة وطنية، وما تخللهما من عواطف جياشة، أحسب أنه أمر من شأنه ان يمد ابن التجمع الوطني الديمقراطي بمؤونة كافية من الصمود والصبر وقوة التحمل، لقضاء عامين اسيراً رافع الرأس، جراء مساندته على نحو عملي ملموس لإضراب آلاف الاسرى من ابناء جلدته، وتبريراً لصورته عن نفسه كمناضل من اجل الحرية، ومنافح عن حق شعبه في الخلاص من اطول احتلال في العصر الحديث.
ولعل الكلمات القليلة التي قالها باسل امام عشرات المناضلين، ممن رافقوه الى باب المعتقل، وكأنهم في زفة عرس فلسطيني، كانت تعكس ما كان يخامر قلبه وعقله، من استعداد للتضحية دون تحسب، حين قال بنبرة تفيض بالثقة والاطمئنان " ابناء شعبي الكرام، سأكون بعد قليل وراء هذه الاسوار، مع الشرفاء والأوفياء لقضيتهم وشعبهم. وراء هذه الاسوار يقضي الاعزاء؛ وليد مرقة وكريم يونس وامير مخّول وغيرهم سنوات العمر الجميل، هناك من لم ولن ينسى أن فلسطين مغتصبة، وان ارضها مسلوبة، وان شعبها قدم من الشهداء الابرار ما يجل عن الوصف، سأنضم اليهم بعد قليل، والنصر صبر ساعة".
ليس لدي شك في ان رفاق باسل واصدقاءه ومحبيه، لن يتوقفوا بعد اليوم عن اظهار مساندتهم له بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك ايصال الرسائل المباشرة، وعقد المهرجانات التضامنية، وفضح سياسة التمييز العنصرية، المتجلية في هذه القضية بأبشع الصور المخزية لأصحابها، للدولة التي تدعي انها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، وتمارس في الوقت ذاته احط اساليب القهر والقمع والفاشية.
في هذا السياق، اود ان تكون هذه المساهمة المقتضبة رسالة تضامن فوق شخصية، يبعث بها كاتب لم يلتقِ يوماً باسل غطاس، ولا يماثله الرأي في بعض ما كان يقوله في المسألة الوطنية، الا انه، ومن موقع الاختلاف الطبيعي بين الناس، يثمّن عالياً موقفه الاستثنائي خلال اضراب الاسرى، ويقدم له اجزل عبارات التقدير، ليس جزاءً لوقفته الباسلة، وانما ايضاً اعجاباً باستعداده العالي للبذل دون تردد، في سبيل حق مجتمعه في المساواة، وحق شعبه في الحرية والاستقلال.

التعليق