سائد كراجة

دراسة غرايبة في تجربة "الإخوان الأردنيين"

تم نشره في الأربعاء 5 تموز / يوليو 2017. 12:03 صباحاً

"كلنا إخوان مسلمون"؛ بهذه الدبلوماسية، تفادى الملك عبد العزيز عام 1936، طلب الإمام حسن البنا إنشاء فرع لتنظيم الإخوان في السعودية، في حين وافق مجلس الوزراء الأردني، على طلب شخصيات أردنية منهم: إسماعيل البلبيسي وعبداللطيف أبو قورة، تأسيس جمعية في شرق الأردن تدعى جمعية الإخوان المسلمين، وافتتح المقر العام للجمعية برعاية الملك المؤسس عبدالله بن الحسين عام 1945.
وقد رصد الكاتب والصحفي والروائي الأستاذ إبراهيم غرايبة تجربة الإخوان الأردنيين في كتاب صدر عن دار سيرين للنشر في شهر أيار من هذا العام تحت عنوان"الاخوان المسلمون في الأردن: تاريخهم وأفكارهم". ورغم ان الكاتب يعترف بتعقيد تجربة الإخوان التاريخية والفكرية على نحو جعل بحثها "شائكاً والخلاصات مرتبكة " إلا انني أعتقد إنه قدم بهذا الكتاب مرجعاً مهماً عن تنظيم الأخوان المسلمين فكراً وتاريخاً.
ومن استقراء جزئي الكتاب؛ التاريخي والفكري، وقفت كقارئ على استنتاجات ومفاصل مهمة في الحياة السياسية للتنظيم في الأردن منها:
بين الأمامين حسن البنا وسيد قطب تشكلت أزمةٌ عميقةٌ في فكر الإخوان، ففي حين أن فكر حسن البنا -كما تبَدَى في رسائله –يعتمد الإصلاح السلمي من الداخل، وهو لا ينفصل ولا يتبرأ من المجتمع، فإن فكر الإخوان مع سيد قطب -صاحب الأثر الأهم معالم على الطريق-، هو فكر "انفصالي"عن المجتمع القائم، يسعى لبناء مجتمع إسلامي نقي، ينقلب على جاهلية المجتمع والدول العربية التي يجد جاهليتها أعمق من الجاهلية الأولى، وهذه الازدواجية في الرؤية استمرت في التنظيم وأسست لتيارين تاريخيين متناكفين، لكل منهما مريدون وتابعون، ويستنتج من الكتاب ان هذه الازدواجية تعتبر أعمق سبب يفسر العلاقة الملتبسة بين الإخوان المسلمين والأنظمة العربية بما في ذلك النظام الأردني.
إن التنظيم في الأردن تميز منذ نشأته، بمشروعية قانونية، تمثلت في التسجيل القانوني لجمعية جماعة الأخوان المسلمين، وقد انسجم نشاط الإخوان في بدايته مع تلك المشروعية، حيث اقتصر نشاطهم على النطاق الدعوي، والمساعدة الاقتصادية والتعليم، وغطوا في نشاطهم أرجاء المملكة كلها، وانضم لصفوفهم صفوة من شخصيات البلد ووجهائه، ومازال التنظيم هو الأكثر وصولاً للقواعد الشعبية في الأردن، لا ينافسهم في ذلك أي جمعية أو تيار أو حزب سياسي آخر، لكن هذا التنظيم عاد وخرج عن حدود مشروعيته القانونية كجمعية، وصار يمارس السياسي في الاجتماعي والديني في السياسي، هذا التجاوز قابله تساهل قانوني سياسي من قبل الدولة بما يمثل براغماتية مارستها الدولة والتنظيم، تعكس اتفاقاً مضمراً بقبول الطرفين لاستمرار تواجدهما معاً، والواضح أن تجاوز التنظيم لمشروعيته القانونية استغل في المرحلة الأخيرة ضمن حملة تصويب أوضاع نتج عنها الانقسام الحالي للتنظيم على الساحة الأردنية.
ورغم الشكل القانوني لحالة انقسام التنظيم في الأردن إلا ان الإشكال الحقيقي كما صوره الكتاب نشأ وتطور بمناسبة علاقة تنظيم الإخوان في الأردن بحركة حماس، ويصور الكتاب أن ممثلي ومريدي حركة حماس قد تسللوا الى قواعد وقيادات التنظيم في الأردن على نحوٍ أفرغه من "أردنيته" وأقصى أعضاء التنظيم من أصول شرق أردنية عن قيادة التنظيم، حتى أن الكاتب نفسه ترك التنظيم بعد خمسة وعشرين عاماً فيه على خلفية هذا الصراع.
كتاب الأستاذ إبراهيم غرايبة عن الإخوان ليس جهده الأول في محاولة رصد وتقييم تجربة الإخوان المسلمين، فقد سبق أن وضع روايته السراب التي تعتبر تصويرا دراميا لأفكار كتابه موضوع هذا المقال. ويذكر أن الكتاب يخرج في منهجه عن منطق الإسلام هو الحل او الإسلام هو المشكلة، كما يذكر أنه قد تطرق في دراسته الى موضوع الساعة وهو مسألة الدين في الحياة السياسية في الوطن العربي وفي الأردن خاصة، وقد خلص إلى ان الدرس الأول للدولة الأردنية بعد الربيع العربي هو: "ضرورة تصحيح علاقة المجتمع والدولة بالدين على النحو الذي يحميها من المفاجآت والكوارث".
هذا الكتاب لا يحيط به مقال وآمل أن يحظى بما يستحق من نقد وتصحيح ومناقشة.

التعليق