التطوّر الروحي للأفراد.. الخراب الروحي للمجتمعات

تم نشره في الخميس 6 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً
  • شقق للبيع أو الإيجار في عمان-(أرشيفية)

معاذ بني عامر

(أ)
قبل عدّة أيام كنتُ أبحثُ عن شقّة مفروشة للإيجار في عمَّان، وقد وجدت واحدة في منطقة (تلاع العلي). أخبرني صاحب البناية أن الإيجار الشهري هو: 700 دينار أردني (1000 دولار). الهاجس الأول الذي خطر ببالي هو: أين الرقابة الحكومية على سقف الإيجارات في الأردن؟ أم إن الأمر متروك للضمير الفردي لصاحب البناية، وذلك من خلال تقديره للظروف المعيشية للناس وتحديد الأسعار وفقاً لهذا التقدير؟.
لربما كان هذا بسبب عودة المغتربين وزيادة الطلب على الشقق السكنية في العاصمة الأردنية؛ لكن الأمر ليس كذلك بالمرة، ففي شهر شباط الماضي بحثت أيضاً عن شقة سكنية، وقد وجدت شقتين واحدة في منطقة اللويبدة وأخرى في ضاحية الرشيد. الأولى إيجارها الشهري 800 دينار والثانية 700 دينار.
قد تكون مثل هذه الأسعار مبالغ فيها بعض الشيء، لكن ما هي الأسعار التي لا تنطوي على مبالغة ما، إذا كان إيجار أستديو صغير بمساحة لا تتجاوز الـ 30 متراً، 200 دينار أردني في الشهر؟.
(ب)
في فيلم: The Green Mile، الذي تجري أحداثه في ثلاثينيات القرن الماضي، يُعامل الرجل الأسود "جون كوفي" الذي يُتهّم –زوراً وبهتاناً- باغتصاب فتاتين صغيرتين ثم قتلهما، معاملة طيبة من قبل مجموعة من أفراد الشرطة، بما يخلق نوعاً من التوائم بينهما، رغم الشعور الجمعي الذي كان يعصف بالمجتمع الأميركي يومذاك، ويتجلّى في كُره السود ومعاملتهم معاملة سيئة للغاية، فالشعور الفردي الطيب المُتواري في سجنٍ معزول وبعيد في إحدى الولايات الأميركية، يتصادم مع شعور جمعي خشن وقاس، تجري أحداثه في عموم المجتمع الأميركي وفي العلن هذه المرة. بما يضع الضمير الفردي الذي يمكن أن يُؤسّس للإنسان الأخلاقي في الاجتماع الإنساني، في مأزق حقيقي، لأنه ينتهك النواميس المعمول بها، ويسعى إلى تقويض دعائم المجتمع القائم، فالغالبية العظمى مع سياسة التنكيل والتجريم والتشنيع بحقّ السود.
(ج)
كانت الجريمة التي جعل "دوستويفسكي" بطل روايته (الجريمة والعقاب)؛ "راسكولينكوف" يرتكبها، جريمة عظيمة، لكن العقاب الذي أوقعه عليه كان أعظم. ليس لناحية انسجام العقوبة مع مقتضيات وحيثيات الجُرم، بل لأنَّ العقوبة صدرت أول ما صدرت من "راسكولينكوف" نفسه، انبجست من أعماق نفسه، من ضميره الداخلي، وليس من القوة القانونية المتمثلة بالشرطة. فقوة ضميره كانت أقوى من القوة الغرائزية التي نتجت عنها الجريمة البشعة. إنَّ الـ"راسكولينكوف" هو بشارة داخلية، تسامٍ روحي، انتصر فيه "دوستويفسكي" للإنسان الأخلاقي على الإنسان الوحشي، فقد كان ثمة رهان دوستويفسكي مبدئي على التطوّر الروحي لبطله بطريقة تجعل منه فائقاً على المستوى الأخلاقي، إلى حدّ الانسجام –ساعة يتجلّى في الخارج- بين ضميره الداخلي والقانون الخارجي، فهو إذ يتقبّل العقوبة على جريمته، فإنه يتقبّلها روحياً بالدرجة الأولى، فهو يُقرّ أنه ارتكب جريمة استوجبت عقاباً، لذا على نصّ قانوني ما أن يسند هذا الشعور التأنيبي الداخلي، لكي تنضبط الأمور أخلاقياً وقانونياً.
(أ + ب + ج)
في الحادثة الأولى (إيجار الشقق في عمَّان) ضربتُ مثالاً يدلُّ فيما يدل على الخراب الروحي الجمعي، فثمة إخفاق مزدوج: 1- مرةً على المستوى الضميري الذي فشل فشلاً ذريعاً في تقمّص الظرف المعيشي للناس وتحديد سقف الإيجارات وفقاً لهذا الظرف، فالضمير الفردي هَهُنا ضمير أناني يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير حيوات الناس وإهلاك مساعيها لعيشٍ كريم. فهو ضمير لا يتفهّم مقولةً مثل الكرامة الإنسانية، لأنه غير معني بالأساس إلا بحاجاته الغرائزية. و2- مرةً على المستوى القانوني؛ إذ ليس ثمة ضبط رسمي لحالة الشواش والضياع التي يعيشها الضمير الفردي، فالرقابة القانونية غير موجودة على سقف الإيجارات؛ لذا تُرك المواطن –الذي يفترض خضوعه لمبدأ قانوني- لحالة غير سوية من الضمير الفردي، مُهيّأة تماماً للنهب والسرقة في وضح النهار، فكلّ شيء يجري في العلن، لكن لا أحد يتقدّم خطوة واحدة لإيقاف هذا العبث المؤذي.
وفي الحالة الثانية (حالة فيلم The Green Mile) ضربتُ مثالاً مُكمّلاً للحالة الأولى أو بالأحرى يعمل على تطوير بنيتها وإنْ في بيئةٍ مُختلفة، طالما أن هذه الهواجس هي هواجس إنسانية بالدرجة الأولى، أعني لناحية التطوّر الروحي للأفراد، غير أن هذا التطوّر غير محمي على المستوى الجمعي. فوجود بعض الأشخاص البيض الذين يعاملون شخصاً أسود معاملة حسنة تحترم كينونته بما في ذلك لونه الخارجي وكرامته الداخلية، لا يعني أن المجتمع سيتحرّر من غرائزه الوحشية وينتقل بين لحظة وأخرى إلى سُلالة الإنسان الأخلاقي. بل إن الأمر لا يعدو في جوهره نوعاً من العزف النشاز. فخطاب الكراهية إذ يتحوّل إلى خطاب جمعي، يصير الحديث عن مصافحاتٍ للأيدي ومصارحات للعقول ومسامحات للقلوب، حديثاً عبثياً يرفضه الجميع تحت وطأة إحكام القبضة على جمرة الحقيقة. لكن -من جهة ثانية- سيكون ذلك أمراً مفيداً على المدى الطويل، فالتطوّر الروحي للأفراد هو تطوّر جمعي بالتقادم، وإن كان يمشي مشية سلحفائية، فتلك الأرواح الفردية التي تتعذّب على المستوى الضميري، إذ ترى مجتمعاتها تقف على حافة الوجود سعياً وراء الهاوية، فإنها تُؤسِّس لسياقٍ ثانٍ سيعمل مع الزمن على تحطيم ذلك الخراب الجمعي، والدفع قدماً بتلك المجتمعات ناحية أرض راسخة، والعمل على حمايتها من إهلاك نفسها.
وفي الحالة الثالثة ( = حالة راسكولينكوف) ضربتُ مثالاً اندمج فيه –على المستوى النصّي- ما هو خارجي مع ما هو داخلي؛ بين الضميري والقانوني. إلى درجة ردم الهوّة بين التطوّر الروحي للأفراد والخراب الروحي للمجتمعات. فالضمير والقانون يشتغلان سوية جنباً إلى جنب، فما عجز عنه الضمير يسنده القانون، وما عجز عنه القانون يرتقى به الضمير، إلى حدّ تتخلّق على إثره مجتمعات تُلبّي حاجات المرء المادية والمعنوية؛ غريزته وكرامته، دونما انشداد عبثي ناحية الغرائزي، بما يجعله يفتك بالناس وحيواتهم، ودونما –أيضاً- انشداه حالِم ناحية الكرامة الإنسانية، بطريقة تبتذل الإنسان وتحوّله إلى كائن موضوع على الرفّ، لا إلى كائن يتحرّك على الأرض.
(د)
عندما تتعمّق جذور المأساة على المستوى الجمعي، يصير التحرّر القريب منها على المستوى الجمعي، أمراً مستحيلاً، نظراً لحاجةِ الناس إلى صور بديلة لتلك القائمة في أذهانهم، حتى لو كان في تلك الصور مهلكهم ومصرعهم. وحتى تتكوّن تلك الصور البديلة، لا بُدّ من الاشتغال على فكرة التطوّر الروحي للأفراد، فهو المخرج الآمن، ساعة تتجلّى حالة الذرع من فقدان المجموع لكينونتهم أو لما كان يُشكّل كينونتهم لفترة طويلة. فشيئاً فشيئاً سينفتح هذا المخرج الآمن، بصفته طرقاً داخلياً، على ما هو قانوني. إذ ستتوّسع دائرة الأفراد الأخلاقيين إلى أن تشمل المجتمع بأكمله، وتندمج في حركة وئام مع أنظمة حامية لهذا المدّ الأخلاقي، بحيث يتحوّل الخراب إلى إعمار، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل والجمعي أيضاً.  

التعليق