موفق ملكاوي

صناعة الإعلان والمخيلة المفقودة

تم نشره في الجمعة 7 تموز / يوليو 2017. 12:04 صباحاً

بالإضافة إلى مقاطعتي للمنتجات العالمية التي على اتصال مباشر بدعم العدو الصهيوني، هناك العديد من المنتجات والسلع التي أقاطعها، ولأسباب وجيهة بالنسبة إلي.
أتابع، مثل كثيرين غيري، مختلف أنواع الإعلانات؛ المكتوبة والمسموعة والمرئية، وهي إعلانات تجارية يدفع فيها أصحاب السلع مبالغ مالية طائلة، ويخصصون ميزانيات سنوية من أجل الترويج لسلعهم، وتعريف الجمهور بتلك المنتجات.
لكن، وفي كثير من الأحيان، ومن دون تعميم، يحدث العكس تماما، إذ تأتي تلك الإعلانات منفّرة، ولا تشتمل على أي جوانب احترافية أو إبداعية، ما قد يؤدي إلى أن تصبح مثارا للسخرية والاستهزاء.
وإذا كان هناك من سيجادل بأن ذلك من الممكن أن يدخل من باب "الإغاظة" كإحدى الاستراتيجيات المعروفة للترويج، فالرد بسيط للغاية، إذ أن "الإغاظة" يتوجب أن تشتمل على أعلى معايير الإبداع لكي تكون ناجحة، لا أن تكون سطحية ومثار استهزاء، ومشغولة في ساعات قليلة!
بالنسبة لي، هذه المنتجات التي تروجها بغير احتراف إعلانات رديئة، أقاطعها بلا تردد، فالجودة مسألة لا تتجزأ، ومن يكون غير قادر على الحكم على جودة إعلان ترويجي خاص بمنتجه، سيكون، بالتأكيد، عاجزا عن تقديم سلعة ناجحة ومضمونة وتنافس في الأسواق.
في الأردن؛ ما يزال الإعلان يعيش حالة طفولة مزمنة غير قادرة على النضوج، مقارنة بما هو موجود في العالم، وحتى مقارنة بما توفره جهات عربية، إذ يغيب عن ساحتنا الخيال الإبداعي الخصب، ويحل مكانه الاستسهال، وأحيانا كثيرة "الاستهبال".
وإذا كانت هناك أشكال كثيرة للإعلان، فإنني أختار ثلاثة أنماط من الإعلان التلفزيوني للحديث عنها، كون هذا النوع هو الأكثر انتشارا اليوم، إضافة إلى أنه يستطيع أن يشي بمقدار الطاقة الخلاقة فيه، أو بمقدار السطحية.
يعتمد كثير من منتجي الإعلانات في الأردن على فنانين ونجوم معروفين، كنوع من الترويج السهل، وذلك من خلال محاولة ربط السلعة بذلك الوجه، وهو تقليد لنمط عالمي شاع منذ ابتكار الإعلان التجاري وما يزال حتى اليوم، كاعتماد الشركات العالمية العملاقة في إعلاناتها وحملاتها على ممثلي هوليوود، أو نجوم الرياضة. ولكن، في الحالة الأردنية يغيب العمق تماما عن هذا النمط، وتجده "كلاشيهات" مكرورة أو مسروقة، تغيظك بنمطيتها القاتلة.
النمط الثاني، هو استعراض تاريخ السلعة أو الشركة المنتجة، وهو أسلوب جيد إن تمت إدارته بإبداعية وحرفية عالية، مع تسليط الضوء على جوانب دون غيرها، وإدارة الصورة باحترافية، مع تقنين الكلام والتخلص من الفائض. لكن حين تتراكض الصورة لتسجيل أكبر قدر من المساحة خلال المدة الزمنية المسموحة، ويكون الكلام مجرد سرد تاريخي ممل، فسيكون إعلانا فاشلا، ولا يعوّل عليه كثيرا في الترويج الناجح.
النمط الثالث، والأكثر رواجا لدينا، هو "الكوميدي" الذي يعمد إلى إنتاج "اسكتشات" فكاهية، مراهنا على أمرين؛ شعبية المؤدين، والحوار الكوميدي الذي يطمح المنتجون من خلاله إلى أن يتحول إلى "قفشات" شائعة في الشارع، ما يصب، في النهاية، بمصلحة السلعة نفسها.
لكن هذا النمط الدعائي، ورغم إمكانياته الكبيرة، إلا أن إنتاجه لدينا هو الأكثر رداءة، فهو يفتقر إلى الإبداع، كونه يعتمد قوالب حوارية سطحية ومعادة في كثير منها، وهي حوارات لا تعتمد العمق، بل ترتكز على طريقة الكلام، والترادف في المفردات، وحركات الجسم المبالغ فيها، والتي لا تكون واقعية حين إخضاعها إلى النقد السليم.
 المراقب لهذه الأنماط السائدة، سيكتشف، بسهولة، السطحية الكبيرة التي تدار فيها صناعة الإعلان لدينا، وأنها تفتقر إلى الإبداع الخلاق، وإلى اللمسات الخاصة والذاتية للمبدعين الحقيقيين، وبدلا من ذلك، نجد متعهدين يعمدون إلى "سلق" أي شيء، من دون أي سعي حقيقي للابتكار والتميز والابتعاد عن المشابهة.

التعليق