عيسى الشعيبي

فضائل النأي بالنفس.. الأزمة الخليجية مثالاً

تم نشره في الخميس 6 تموز / يوليو 2017. 11:03 مـساءً

 باستثناء قلة قليلة هاجمت الموقف القطري، تجنبت النخب السياسية والثقافية والاعلامية في الاردن بصورة خاصة، وفي العالم العربي اجمالاً، الانخراط في الاستقطاب الخليجي، ونأت بنفسها عن فضاء هذه الازمة، التي نشبت قبل اكثر من شهر بحدة لا سابق لها بين دول شقيقة، اعتادت ان تحل مشاكلها البينية وراء ابواب مغلقة، وان تجتاز المصاعب فيما بينها بتقاليد عربية متوارثة، اساسها المونة والتسامح وبوس اللحى، وهو الامر الذي عزز بنية مجلس التعاون، واطال عمره لنحو اربعة عقود زمنية.
فقد بدت هذه الازمة للكثيرين، في بداية الامر، مجرد زوبعة في فنجان، وان ما بين اطرافها من تباينات اخوية يمكن حلها بالطريقة الخليجية المعتادة بين اعضاء اسرة ثرية تعرف جيداً كيف تتدبر شؤونها وتدير شجون بيتها الواسع، لا سيما وانه لا وجود لمسائل خلافية على الحدود، ولا صراعات عقائدية، او مصالح متضاربة، او غير ذلك مما ظل  يفسد الود ويخرب العلاقات، ويؤجج التقاتل على الفتات، على نحو ما  نشبت خلاله النزاعات بين الدول العربية الاخرى.
لذلك فقد آثر اكثر المعلقين، وبينهم من له رأي مسبق منحاز، وعنده موقف سياسي غير مكتوب ازاء هذا الطرف او ذاك، اتباع سياسة الترقب والانتظار، مع ميل الى الحذر والتحوط والنأي بالنفس، ازاء مجريات هذه الازمة المحكومة سلفاً بسقف منخفض من التصعيد والتوتر المحسوب، فضلاً عن جملة كوابح ذاتية وموضوعية تحول دون انفلات عقال الازمة نحو مطارح تغري باستخدام منطق القوة، الامر الذي كان يعطي قدراً كبيراً من الثقة والاطمئنان لسائر الاطراف المعنية بعدم خروج الموقف عن السيطرة، بما في ذلك الوسطاء، وجامعة الدول العربية التي جلست على المدرجات.
لم تكن حالة الترقب والانتظار هذه تنم عن استصغار لشأن الازمة، او جراء عدم اكتراث بتداعياتها السلبية الثقيلة على المشهد العربي العام، وانما كانت على الارجح نتيجة ادراك مسبق على اوسع نطاق، مفاده ان كل تدخل اضافي فيها سوف يعقد الامر أكثر فأكثر، وربما يفاقم الوضع اشد من ذي قبل، الامر الذي يحسن معه البقاء على خط الحياد الايجابي، والتمسك بأحبال الرجاء بأن تنقشع هذه السحابة السوداء في اسرع وقت ممكن، اشفاقاً على اهل الخليج والمقيمين فيه، ورأفة بحال عربي مثخن بالجراح الراعفات.
احسب ان هذه المواقف الضميرية المريحة لأصحابها، من سياسيين وكتاب واعلاميين، والمبررة تماماً من وجهة نظر المكتوين بما يكفي من نيران الخلافات العربية المشتعلة على اكثر من صعيد، سوف تتعزز في المدى المنظور، وتتسع لدى اوساط اكثر في مقبل الايام، بعد ان عرجت الازمة منعرجاً اهدأ من ذي قبل، ودخلت طوراً من الحلحلة والتسويات خلال اليومين الاخيرين، حيث بات من المتوقع الا يطالب المختصمون بعد اليوم من احد ما، الوقوف الى جانبه، طالما ان الازمة دخلت في طور الانتهاء ولو بعد حين.
وهكذا تتضح الآن بصورة جلية، وقبل ان تتبدد سحب الازمة بصورة كلية، فضيلة النأي بالنفس عن الخلافات الواقعة بين اي شقيقين، وجزالة محاسن الامتناع عن الخوض في شبر ماء جدول يمر بالجوار. وليس المدار الذي دارت فيه هذه الازمة منذ اندلاعها في الخامس من حزيران - يا للمفارقات الفارقات – سوى الدليل بعينه على اهمية الاعتصام بالصبر والحكمة وطول الاناة، وضرورة الابتعاد عن المشهد قليلاً، الى ان يلعب الزمن لعبته، وتنجلي الحقائق المخفية عن الانظار.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلام وسياسة المصالح ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الجمعة 7 تموز / يوليو 2017.
    مصطلح النأي بالنفس وان بدى مريح بعض الشيء لكن (الواجبة ) اداة سلبية بين الأخوة ؟؟سواء من تلحف سياسة الثوابت واو من غرق في سياسة المصالح ؟؟ المحصلّة الحسابية التي تبنى عليها المعادلة المعنوية والمادية في حالة عدم التدخل (النأي بالنفس وعدم الوقوف مع الحق) اكثر خسارة ان زادت الأزمة بحدتها واو تم إخمادها ؟؟؟ والأنكى كما اراد مسببها تفكيك عرى التلاحم المجتمعي بين المكون الخليجي سيكون محصلتها تفتيت المفتت في المكون المجتمعي العربي العام ؟؟ ولقد نجح مبشّر الفوضى الخلاقّة ومطلق سياسة من ليس معنا فهو ضدنا في مناله (امة تفكك تلاحمها وتكافلها بنفسها ) فخّار يكسر بعضه ؟؟؟ والساكت عن الحق شيطان أخرس ؟؟؟