موفق ملكاوي

"الانتخابات الداخلية": الهوية الفرعية أولا!

تم نشره في الجمعة 7 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً


في حركة قريبة من مضامين المسرحيات الهزلية، تنادت عشائر أردنية لإجراء اقتراعات داخلية يتم على أساسها فرز مرشحين يخوضون الانتخابات البلدية واللامركزية المقبلة.
المسألة مفهومة تماما بما أننا لم نخرج حتى اليوم من ربقة "وهل أنا إلا من غزية..". أو "خمسة الدم" التي تتحدد على أساسها أولويات الغنم والغرم، وقيم الولاء والانتماء لهويات فرعية يتم إعلاؤها على حساب الهوية الجامعة التي يفترض أن تكون وطنية خالصة.
المسألة مفهومة جدا ضمن هذه السياقات التي تقدس الروابط البدائية محددة الكثرة مقياسا للفوز، وبذلك يسقط من الحسابات الأولية كل من لا يجد في تعداد ذكور العشيرة رافعا لإسناد طموحه في الوصول إلى البلدية أو مجلس المحافظة أو البرلمان.
غير أن مسألتين مهمتين ما تزالان غير مفهومتين بالنسبة لي ولكثير من الذين يتابعون هذا المشهد البائس الذي لا يمكن له أن يؤسس لأي سلوك ديمقراطي قويم، ولا أن يفرز أشخاصا قادرين على منح العمل العام حقه، الأولى: التغني بالعملية الديمقراطية هذه في المجتمعات التي تمارسها، والثانية: غضّ طرف الدولة عن هذه الممارسة "التقسيمية" التي تنظر إلى الوطن على اعتباره "مناطقيات" لا يجمعها شيء.
في المسألة الأولى؛ يصل الوهم بالمجتمعات إلى اعتبار ممارسة حق اقتراع مشوّه في انتخابات داخلية تقام على أساس "عائلاتي" أرقى أشكال التعبير الديمقراطي، متجاوزين عن الأبعاد "الهوياتية" و"العنصرية" التي تعد منطلقا لمثل هذا السلوك، وهو مصلحة العشيرة، أولا وآخرا، في أن يكون لها ممثل في المجلس الذي يراد الاقتراع له، حتى أن بعضهم يجهر بالقول إن من مصلحتهم أن يكون لهم ممثل، ولو كان أميّا، على أن يغيب تمثيلهم نهائيا في تلك المجالس، وبذلك تصبح الإجماعات العشائرية واحدة من الروافع التي تحقق لهم هذا الأمر.
غير أن التشوهات لا تقف عند حدود "الهوياتية" و"العنصرية"، بل تتعداها لتشمل "الجندرية"، فالمرأة محرومة من حق الاقتراع في الانتخابات الداخلية عند كثير من العشائر التي تمارس هذه "الآليات"، والذكور هم وحدهم من يملكون حق تقرير هوية مرشح الإجماع، ويقتصر دور المرأة على  هزّ الرأس بالإيجاب والموافقة على قرارات الذكور، في سلوك مهين ينطوي على الدونية التي تنظر بها تلك المجتمعات لمكانة المرأة، وتأكيدها على أنها غير مؤهلة لاتخاذ قرارات مهمة مثل هوية المرشح الذي يمثلها في تلك المجالس.
الأمر، كذلك، ينطوي على تأشير إلى دونية نظرة المرأة لنفسها بموافقتها وخضوعها لهذه "الثقافة" المعيبة. إن سلوكا مثل هذا لا يجد رفضا ولا مقاومة من قبل المرأة، بل ينظر إليه على أنه إجراء عادي تماما، وأن مكانتها خلف الذكر هي المكانة الطبيعية لها في المجتمع، حتى لو كانت هي من أصحاب الشهادات العليا فيما الذكر "لا يفك الخط".
المسألة غير المفهومة الثانية، هي موقف الدولة تجاه هذه السلوكيات، وتركها الأمر يجري على هذا الشكل، ونحو مزيد من تمزيق المجتمعات وتجزيئها، والانفضاض من حول الهوية الجامعة.
لا نريد للدولة تدخلا عنيفا ضد هذه السلوكيات، ولكننا، بالتأكيد، نطمح إلى دور تنويري من جهتها، يشخص الأمراض التي تفرزها وتعززها الانتخابات العشائرية بتكريسها الروابط البدائية بديلا من الأفق الوطني الواسع، وتقزيمها فرص المنافسة الشريفة المتكافئة لمصلحة مرشح إجماع قد يكون أقل المترشحين معرفة بالعمل العام واحتياجات المناطق والبلد.
"العشائرية هي سلب للإرادة والحرية"، يقول د. مصطفى حمارنة. وأزيد عليه القول، إنها عملية منهجية تؤطر الجميع ضمن عقلية القطيع، فلا صلاح إلا لمن رضيت عنه وأرضته العشيرة.

التعليق