بدء السباق إلى الحدود العراقية

تم نشره في السبت 8 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً
  • عناصر من قوات الحشد الشعبي العراقية قرب الحدود مع سورية – (أرشيفية)

عمر العمراني - (ستراتفور) 20/6/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

لعل إحدى أفضل الطرق لتعقب أولويات إيران في سورية والعراق، هي متابعة تحركات واحد من أعلى قادتها العسكريين مرتبة، الجنرال قاسم سليماني. في أيلول (سبتمبر) من العام 2016، ظهر قائد جهاز الحرس الثوري الإسلامي المعروف باسم "قوة القدس" إلى الجنوب من حلب قبل وقت قصير فقط من شن القوات الموالية للنظام هجومها المضاد الأخير الذي تمخض عن الاستيلاء الحاسم على المدينة. وبعد سبعة أشهر، شوهد سليماني في محافظة حماة السورية الشمالية، عندما تحركت القوات الموالية المدعومة من إيران لخوض قتال ضارٍ وصعب مع قوات الثوار على تخوم العاصمة الإقليمية.
وفي حزيران (يونيو)، تحرك سليماني مرة أخرى. فيوم 12 منه، زار هذا الشخص الرفيع المراوغ وحدات المليشيات ذات القيادة الإيرانية على الحدود بين سورية والعراق، حيث صلى صلاة الشكر امتناناً للانتصارات الأخيرة في المنطقة. ويتحدث ظهوره عن المرحلة الأحدث التي تتكشف في الحرب الأهلية السورية المطولة: السباق إلى الحدود العراقية.
الأول في الوصول إلى خط النهاية
بينما يتم طرد "داعش" من سورية ببطء، يغذ أعداؤه الخطى للسيطرة على الأراضي التي يتركها خلفه. وفي الأثناء، يواجه الثوار السوريون، المدعومون من الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة، حكومة الرئيس بشار الأسد التي تدعمها إيران وروسيا، من أجل انتزاع السيطرة على المواقع المتبقية للمجموعة المتطرفة من قبضتها الضعيفة. ولكن، ومع وضع الأنظار على نفس الهدف، فإن كل مشارك يتحرك بدافع مصالحه الخاصة، ويريد أن يخاطر باحتمال الاصطدام مع منافسيه لتأمين هذه المصالح.
بالنسبة للحكومة في دمشق، يشكل الاندفاع إلى الشرق أولوية. فقواتها في دير الزور كانت تحت حصار "داعش" منذ العام 2014، وهي في حاجة ماسة إلى الخلاص. وقد استدعى مأزق تلك القوات انتباهاً كبيراً بين حلفائها الموالين، وسوف يؤدي انهيار الحامية إلى احتجاجات مدوية بين نظرائها –وهو انتقاد تستطيع حكومة الأسد بالكاد أن تتحمله.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى النقيض من الفهم الشائع الخاطئ بأن دمشق تسعى لإدامة سيطرتها على المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان في الغرب فقط، بذلت القوات الموالية للنظام الكثير من الجهود وأنفقت العديد من الموارد في محاولة مطالبتها بالسيطرة على البلد كله. (يحتاج المرء إلى النظر فقط في الجهود المكلفة لإمداد وتعزيز القوات في دير الزور ومحافظة الحسكة، عميقا في داخل أراضي الثوار). كما أن إقامة الاتصال مع النقاط الأمامية في أقصى الشرق وفي الشمال الشرقي هو شأن حاسم لطموحات الحكومة السورية باستعادة السيطرة على البلد، ناهيك عن الطاقة الوفيرة والموارد الزراعية الموجودة في عموم المنطقة.
لكن لدى حليفها الأكبر، إيران، هدفاً مختلفاً في بالها. فبهدف تعزيز قدراتها اللوجستية وعرض قوتها في المنطقة، تهدف طهران إلى تطهير ممر بري يمتد من العاصمة الإيرانية إلى دمشق وساحل البحر الأبيض المتوسط –وهو شأن سيساعد اندفاع الموالين في اتجاه الحدود في إنجازه. وكما هو حالها، تجد إيران نفسها مجبرة على التعويل على الشحن بحراً (والذي يكون عرضة للاعتراض من البحرية الإسرائيلية) والنقل الجوي (الذي له قدرة محدودة ومن الصعب إخفاؤه) لإمداد القوات الموالية في سورية ومتشددي حزب الله في لبنان. ومن شأن وجود جسر بري تغيير ذلك وزيادة كمية المواد والجنود الذين تستطيع إيران إرسالهم غرباً بشكل كبير، بينما يتشكل خط اتصال مهم عبر الشرق الأوسط. وكانت إيران قد شرعت أصلاً في الدفاع عن مشروع طريق طموح يصل بين عاصمتها والعاصمة السورية، لكنه سيكون مفيداً فقط في حال سيطرة شركائها السوريين على الحدود العراقية.
في الأثناء، لدى روسيا الأقل لتكسبه من الفوز في السباق مقارنة مع كل من شركائها في الائتلاف. فمع أنها ما تزال منخرطة على نحو عميق في الهجوم المضاد نحو الشرق، فإنها متأنية في دعمها. وعلى العكس من إيران، ليس لدى روسيا حاجة إستراتيجية ملحة في شق طريق باتجاه الحدود العراقية. لكن ذلك لا يعنيأن العملية لم تقدم لها فرصة لانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، اتصل الجيش الأميركي مراراً وتكراراً بالقوات الروسية من خلال قناة الاتصال القائمة لتفادي التصادم بينهما، ولإبقاء القوافل الموالية المدعومة إيرانياً بعيدة عن الوصول إلى المواقع الأميركية. ومن غير الواضح مع ذلك حجم النفوذ الذي تستطيع روسيا ممارسته على المقاتلين الإيرانيين والمقاتلين الموالين للحكومة السورية المتجهين نحو الشرق: في العديد من الحالات، رفضوا التوقف أو الابتعاد عن القوات الأميركية على الرغم من محاولات مفترضة بذلتها الولايات المتحدة وروسيا لإقامة منطقة فصل للنزاع بالقرب من الحدود الأردنية.
في ميدان المعركة، ظلت الولايات المتحدة مركزة على هدفها الأساسي المتمثل في هزيمة "داعش". وهكذا، يشكل الاندفاع الثابت للموالين في اتجاه الشرق مصدر قلق لواشنطن، نظراً لأنه يمكن أن يعرقل جهود الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة للقضاء على المجموعة المتطرفة في البلد. وفي الوقت الراهن، تنقسم هذه الجهود إلى عمليتين: الهجوم المضاد على الرقة، حيث رأس الحربة هو قوات سورية الديمقراطية؛ والزحف البطيء باتجاه الشمال الشرقي نحو وادي نهر الفرات بقيادة مجموعات مثل مغاوير الثورة. وبينما تصبح القوات الموالية أقرب إلى هذه المناطق، يرتفع بثبات منسوب خطر التصادم مع القوات الأميركية أو تعطيل عمليات الثوار في المنطقة.
في الحقيقة، وقعت بعض الحوادث التي تستحق الملاحظة. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، ذكر أن هجمات المدفعية والضربات الجوية لقوات الموالين للنظام ضربت مواقع لقوات سورية الديمقراطية التي تدعمها أميركا بالقرب من بلدة طبقة التي تحتوي الجناح الغربي لهجوم الثوار على الرقة. ويوم 18 حزيران (يونيو)، أسقطت الولايات المتحدة طائرة سوخوي سورية بعد أن ضربت قوات الثوار بالقرب من البلدة. وفي اليوم التالي أعلنت روسياً عن تعليق العمل بقناة الاتصال لمنع التصادم مع القوات الأميركية، وهددت باستهداف طائرات الائتلاف في المجال الجوي إلى الغرب من الفرات. وإلى الجنوب بالقرب من الحدود الأردنية، ضربت الولايات المتحدة ثلاث مرات عدة وحدات دعم تابعة للحرس الثوري الإيراني بالقرب من مواقعها حول بلدة التنف، بينما أسقطت طائرة مقاتلة أميركية طائرة إيرانية مسيرة بعد استهدافها لمواقع عسكرية أميركية.
سباق بثلاث شعب
بينما تغذ القوات السورية الخطى نحو الحدود العراقية، سوف يكون هجومها ثلاثي الشعب. العنصر الأول ورأس حربته وحدة موالية تعرف باسم "قوات النمور" التي ستندفع خلف قوات سورية الديمقراطية في الرقة عندما تتحرك إلى الجنوب الشرقي.
العنصر الثاني (وربما الأكثر حسماً) مكون من موالين مدعومين روسياً وإيرانياً على طول الطريق السريع "م-20"من تدمر إلى دير الزور. ومنذ الاستيلاء على أراك يوم 14حزيران (يونيو) الحالي، كسبت هذه القوات زخماً. وإذا استطاعت الوصول إلى دير الزور قبل منافسيها، فسوف تكون قادرة على الحفر في شرقي سورية والوصول إلى الطريق الإيراني الذي يجري شقه ليصل بين طهران ودمشق.
تتألف الشعبة الثالثة من القوات الموالية المندفعة باتجاه نقطة عبور التنف التي تقع بالقرب منتقاطع الحدود السورية الأردنية العراقية، وتقع على الطريق السريع بالغ الأهمية الرابط بين دمشق وبغداد. ومع ذلك، منعت القوات الأميركية في منطقة الحدود وحولها الحكومة السورية من الوصول إليها حتى الآن.
الوثبة الأخيرة
أثبت الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة سوية مع الثوار الحلفاء أنهم مصدر إزعاج للموالين في شرقي سورية، لكن المرجح أنهم لن يكونوا عائقاً يستحيل التغلب عليه في الطريق نحو الحدود. أولاً، لن تكون قوات سورية الديمقراطية على الأغلب حرة من مهمة هجومها على الرقة لعدة أشهر مقبلة، مما يعطي القوات الموالية المتجهة نحو دير الزور نقطة انطلاق كبيرة. وثمة سبب آخر، فمع أن وصول قوات الأسد بمرافقة سليماني إلى العراقية إلى الشرق من التنف هو في الجزء الضخم منه فكرة دعائية بارعة على ضوءالبعد الذي كانت عليه من أي طريق رئيسي بما في ذلك الطريق الإيراني قيد الإنشاء- فإنها أبرزت ضعف سيطرة الثوار في المنطقة. وتظل الحقيقة أن الموالين يتمتعون حالياً بفرصة أفضل للوصول إلى مواقع "داعش" والاستيلاء عليها على طول وادي نهر الفرات مقارنة بالثوار المدعومين أميركياً.
بغض النظر عن الطرف الذي سيكسب السباق إلى الحدود العراقية، يتمثل الخطر الأكبر لكل المتسابقين في الأشهر القليلة المقبلة في التهديد المتنامي بوقوع اشتباكات بين القوات الموالية وبين الثوار المدعومين أميركياً في سياق المنافسة المحمومة على الأراضي. وفي وقت يشهد تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تستطيع هذه الاشتباكات صب الزيت على وقود العداوة. وكان الحرس الثوري الإيراني قد زعم أن واشنطن هندست الهجوم الإرهابي المزدوج في طهران يوم 7 حزيران (يونيو)، بينما ذكر أن الولايات المتحدة تدرس فرض عقوبات جديدة على إيران. وهكذا، وعلى الرغم من أن القتال ضد "داعش" قد يكون قد أوهن قوة المجموعة المتطرفة، فإن من الممكن أن تصعد معركة مميتة من رماد معركة "داعش" إذا لم تتوخ القوى المنخرطة في شرقي سورية بالغ الحذر.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:  The Race to the Iraqi Border Begins

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق