إذن أنا موجود.. هل أنا أفكر؟

تم نشره في الأحد 9 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً

قلة فقط أولئك الذين يرون التفكير حالة يمكن ان نوجه فيها الاتهام لمن يعتمل في عقله الانهماك به، وكثرة يخفون الايمان بالتفكير، لكنهم يرونه فاعلا، ويجب الا يقفز عما هو ثابت او راسخ في الوعي العام، ومستقر في الوجدان، ذاك لخوفهم من ان يذهب التفكير بما هم عليه من مكانة وسلطة وحضور وثروة.
حسنا اذن.
كلنا نفكر، وكلنا يذهب الى مناطق متنوعة ومختلفة في انتاج فكره. لكن اولئك الذين يختلفون تماما مع السائد والثابت والراسخ في الوعي، هم القلة القليلة، وهم الذين اذا ما صرحوا بافكارهم فسيكونون كالانبياء، يواجهون من سيرجمهم بالحجارة والقمع والنفي والنبذ بالفكرة، ويقاتلون لارسائها، لكنهم غالبا ما يقعون في مصيدة العامة التي لا تعي قيمة الفكرة المختلفة.
حتى اللحظة، عاش العرب أزمنة تفكير حادة، متوترة، أزمنة انتجت افكارا عظيمة، وانتجت بموازاتها افكارا هدامة، تجهيلية، خلقت مضادات للوعي والارتقاء بالعقل، ونصبت النقل في محل لا يمكن ان يرقى اليه الشك، أو يناقش، ويحرم التفكير ـ مجرد التفكير به.
وكلما اقترب احد من “معجزة الماضي العربي”، وذهب لمناقشته مختلفا عما هو راس في الوعي، وقفت المضادات الرافضة لأي اقتراب من صدر هذا الوعي له بالمرصاد، لتحجب عنه ضوء اعلان فكره.
قتل المقفع، وتلبد الجاحظ في نفاقه للسلطة، وسجن ابن خلدون، وذبح السهروردي وطورد الكثير من الانقياء، واحرق بعضهم كتبهم، وأعدم آخرون، كل ذلك لحجب الفكرة المواجهة للجهل، وذاك أيضا مبعثه خنق الوجود، للهبوط بالعقل الى الدرك الاسفل، لم يتمكن العقل العربي الى اليوم من المضي نحو التحضر والتقدم والتمدين. بل بقي مرتهنا لارساء اقنعة السلطة بكل تفرعاتها، وهتك أستار الوعي.
أزمنة التيه التي خذلت الوجود العربي كثيرة، نخرج من زمن الى زمن، وها الادلة تشهد على كم نحن مستظلون بالعتمة، لا يخرج من بيننا مفكر الا وطاردناه، او قتلناه، او القينا عليه التهمة بالزندقة والكفر والردة والجنون.
لماذا انا افكر؟
لانني اريد ان ارتقي بذاتي، ان ارفعها عن زوان اللحظة الهشة التي لا تفرق بيني وبين الحيوان.
ولماذا افكر؟
لأن العقل هبة، والهبة يجب ان تمضي في تقديم ضوئها لي.
لقد اغلقت الابواب على العقل، وذهب العربي الى مراحه يرعى نوقه حتى وهو في القرن الحادي والعشرين، لم يتمكن حتى اللحظة من القفز عما قيض له ان يسجن فيه، العدم.
انا افكر اذن انا موجود، وهو ما يتبدى في لحظات خانقة حاضرا في الوعي، يقتنصه ثلة تغامر بارواحها في استنطاق التاريخ وتفكيكه، وتشريح الماضي لرؤية المستقبل.
نعم نريد ان نفكر ونريد ان نكون موجودين، فلا تضعوا الألجمة على العقول أيها المعتمون.

التعليق