د.باسم الطويسي

التدوير السياسي والثقافي

تم نشره في السبت 8 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

القاعدة المهملة، وما أنتج القاعدة وأخواتها من التنظيمات المتطرفة وغيرها من ظواهر، اننا لا نريد ان نعترف بحجم الأزمة الثقافية التي تحياها المجتمعات العربية والإسلامية، وكيف أن هذه الأزمة تفسر مصفوفة معقدة من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تتراكم منذ عقود؛ ما ينقل البحث من الحقل السياسي إلى الحقل الاجتماعي الثقافي، كما اننا رسخّنا مناعة ذاتية ضد توطين ظاهرة الانتخاب الطبيعي للافكار من خلال النقاش العام الذي سوف يصل في لحظة ما الى حالة من الفرز وترسيخ البقاء للأفضل.
وما قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وتداول السلطة، إلا أحد تعبيرات أزمة شرعية ثقافية عميقة، تجيب على سؤال كبير ما تزال ثقافة التستر تحاول تجنبه وهو كيف يعيش الناس؟ وكيف يتخذون المواقف وعلى اي معايير وخلفيات، وعبر عقود طويلة مارست السياسة الكسولة في الشرق العربي حالة تدوير ثقافي وسياسي بحيث يخدم كل حقل الآخر فيما تنهش السياسة والاقتصاد في البنى الثقافية للمجتمعات وتزيدها غربة وقربا للخرافة والأوهام والاتكالية والانسحاب من الشأن العام. أليس ما يحدث في سورية وليبيا والعراق واليمن اليوم، المثال الراسخ لأزمة شرعية يتقاسمها الحقلان الثقافي والسياسي معا.
المجتمعات العربية لا تعيش اليوم مشهد الفراغ الاستراتيجي، وغياب المناعة، وتراجع القدرة على الاشتباك مع الذات وممارسة النقد الذاتي، بما يعنيه الاشتباك من صعود أو تراجع؛ بل هذه المجتمعات تحيا مشاهد متقطعة، معظمها ينتهي بالاندحار. وربما سيُنظر لاحقا إلى هذه المرحلة على أنها شكلت أقسى لحظات الأزمة الثقافية منذ موت ابن خلدون، والتي تبرز تداعياتها في أزمات الشرعية والمواطنة والهوية. إذ يقاد الأفراد إلى فجوة نفسية عميقة، وغربة مريرة يزداد فيها الشعور بأن هذه الأوطان ليست لهم.
لقد جسّدت فعاليات السنوات القليلة الماضية من التنظير والممارسة في محاولات تعبيد الطريق المتعثرة نحو الديمقراطية والتغيير السلمي في العالم العربي، حالة من التكييف الثقافي والسياسي الذي يعمل على إعادة إنتاج شرعية جديدة للنخب والطبقات السياسية التقليدية والجديدة، عن طريق استثمار العملية السياسية والمجتمعية السائرة نحو إحداث بعض الإصلاحات السياسية على ضحالتها، وتحويلها إلى آلة لترسيخ شرعية تلك النخب التي من الطبيعي أن لا تمهد لمشاركة سياسية حقيقية وفاعلة، بل ترسيخ المزيد من ثقافة الطاعة والحمد والشكر.
 وقد عملت هذه التحولات من زاوية أخرى على تهشيم المفهوم التقليدي لفكرة الهوية، وحدث الأمر ذاته في تفكيك مبدأ المواطنة. لكن، للأسف، لم تتم إعادة بناء  فكرة الهوية على أسس ثقافية جديدة، كما لم تؤطر الأساس القانوني والثقافي للمواطنة؛ ثمة هدم مستمر من دون بناء.
فكما أنه لا يمكن دراسة علم اجتماع التخلف بمعزل عن فهم اقتصاد المجتمعات المتخلفة، فإنه لا يمكن فهم إعاقة الديمقراطية من دون فهم علاقات الإنتاج الظاهرة والأخرى الكامنة التي تحدد مصائر الأفراد، وتوجه في نهاية الأمر سلوك الدولة حيال رعاياها في بيئتها الإقليمية والدولية. هذا الفهم يكمن في الأساس في فهم الثقافة التي تمنح الشرعية وتحجبها، والتي تبرر وتسوغ هنا، وترفض وتمنع هناك.
هذه الحالة الشائكة من الغموض، تضيف المزيد من الحيرة على فهم الفوضى السياسية والاجتماعية والثقافية الراهنة، وتجعل المهمة أشبه بالتنجيم. إذن، المدخل الموضوعي لتحليل مستقبل علاقات السلطة في العالم العربي بعد نهاية المرحلة الثانية من  تحولات "الربيع العربي"، يبدأ من هنا؛ من حالة خداع بصري تتحول فيها عصا السلطة إلى عصا الساحر، من دون أن تفقد أدوارها التقليدية. والسؤال المحير الذي يعيد إنتاج تقاليد التسلط يكمن في العمق، بعيدا عن السياسة.

التعليق