رفع عتب

تم نشره في السبت 8 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً

العتاب نمط من الشعور الذي يتولد لدى الافراد عند مخالفة السلوك الصادر عن الشخص للتوقعات التي ترسمها العادات والاعراف والتقاليد، ويتسع المفهوم ليشمل عملية المصارحة والمكاشفة التي تتم بين الاطراف على اثر حدوث التعارض بين الواقع والمتوقع، وهو سلوك يتكرر على نطاق واسع في المجتمعات العربية ويسهم في ازالة اللبس واعادة تعريف المواقف ويمهد للمصالحة بين الاطراف. لهذه الاعتبارات يحرص البعض على تجنب المواقف التي قد تستدعي العتب او العتاب.
على مدى قرون وعقود طويلة ووفقا لتقاليد الثقافة العربية التي تشكلت في مرحلتي الرعي والزراعة ظلت العائلة الممتدة والعشيرة مؤسسات اجتماعية مهمة تعمل على اكساب الافراد شخصياتهم، وتحرص على تدريبهم على الامتثال للقيم والاعراف والتقاليد ليكتسبوا الهوية ويحافظوا على سمعة ومكانة عائلاتهم بين العائلات والعشائر الاخرى. مع  ظهور حركات الاستقلال والتحرر شهدت العديد من مجتمعاتنا العربية ظواهر جديدة تمثلت في نمو ونشوء المدن الكبرى وانتشار التعليم والدخول الى مراحل اقتصاد الخدمات والصناعة الخفيفة والتجارة والانفتاح  على الثقافات الاخرى والتوسع التدريجي لنظام الاجور ليقف الى جانب النظام الريعي الذي ظل سائدا عالمنا لقرون.
عادة الترحيب والاحتفاء بالغير مرتبطة بقيمة الكرم التي اصبحت اقل شيوعا وانتشارا بين الشباب والصغار نتيجة لعوامل ترتبط بكثافة استخدام التكنولوجيا ونهوض الفردية وتغير طبيعة الحياة التي اصبحت  قائمة على تقسيم العمل واعتماد الافراد اقتصاديا على الاجور وحاجة الاشخاص للتخطيط واستثمار الوقت  للوصول الى الاهداف التي يضعونها لانفسهم.
استمرار تنشئة وتدريب الاجيال على الممارسات النابعة من القيم والمعايير  التقليدية دون توفر القناعة لدى الشباب بملاءمتها للواقع يخلق حالة من التعارض بين التوقعات والتصرفات. لتجنب الحرج وفي محاولة لإنهاء هذا التعارض يلجأ الافراد الى توليفة جديدة من الاستجابات التي تبدو منسجمة ظاهريا مع العادات والقيم والتقاليد لكنها منزوعة النوايا والحماسة الضروريين للبرهنة على جديتها وصدقها.
المفردات التي تستخدم لوصف الاقوال التي لا تحمل نوايا صادقة للتنفيذ او الالتزام بما  يقال متعددة ومعروفة، لكن اكثرها شيوعا  وانتشارا هما "رفع عتب " او " طرد عذر" . في معظم الحالات يقدر السامع للدعوة او العرض او لعبارات التأييد مدى صدقها وجديتها من خلال الطريقة والحماس ومستوى  ودرجة التشديد التي  تصاحبها ليقرر اذا ما كانت الدعوة جدية او انها رفع عتب.
 الممارسات التي يقوم بها الافراد بهدف طرد العذر او رفع العتب اصبحت تشكل الجزء الاكبر من نشاطنا ومواقفنا الاجتماعية وسببا من اسباب سوء الفهم وأحد اشكال هدر الوقت والطاقة بسبب اضاعة الكثير من الجهد في تأليف مواقف واعذار واقوال غير مقصودة  واضفاء حالة من الغموض على  معاني ومقاصد الافعال والاقوال والتفاعلات التي تنشأ في الاوساط المختلفة.
التطورات الجديدة على ثقافة رفع العتب تتمثل في تسللها للمؤسسات الخدمية والاعمال التجارية، فكثيرا ما يجيبك احدهم عند سؤاله عن تكلفة خدمة ما بالقول "بلا مصاري"  او "على حسابك" او "خليها علينا". السؤال الذي يخطر ببالي في كل مرة اسمع مثل هذه العبارات؛ ماذا لو انني قبلت العرض وتلقيت الخدمة دون ان ادفع ..وما الذي يقصده القائل فعلا من قوله وهل سينعكس هذا الإفراط في الترحيب والكرم اللفظي على السعر الذي سيضعه لسلعته بعد ان ابدى نوايا كرمه على مستوى الاقوال. 

التعليق