ماجد توبة

جريمتان على ضفاف الطفولة!

تم نشره في الأحد 9 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً

بالتزامن مع تَكشُّف تفاصيل جريمة "سفح النزهة" البشعة، التي ذهب ضحيتها طفل سوري وقع بين يدي وحش بشري اعتدى عليه جنسيا قبل قتله نحرا، نشرت "الغد" أمس خبرا حول تسجيل نحو 500 حالة طلاق لزوجات قاصرات (أقل من 18 عاما) في الأردن العام 2015 بحسب التقرير الإحصائي السنوي لدائرة قاضي القضاة، وذلك من أصل 5599 حالة طلاق سجلت في المملكة خلال هذا العام.
أي أننا نتحدث هنا عن طلاق 500 طفلة خلال عام، بعد أيام أو أشهر أو ربما سنوات من الزواج لهؤلاء الطفلات القاصرات. هنا أيضا ثمة جريمة ترتكب على نطاق واسع في المجتمع، ضحاياها قاصرات وطفلات والمجرم فيها هو الجهل والتخلف الذي يرزح تحت نيره العديدون رغم كل التقدم والتحضر الظاهر في الصورة العامة للمجتمع!
والجريمة هنا ليست في طلاق هؤلاء القاصرات، بل قد يكون الطلاق نعمة من الله لهن للتخلص مع عبء ومعاناة وجدن أنفسن بها، لكنّ الجريمة في تزويجهنّ قبل الأوان، وخطفهن من طفولتهن وفترة مراهقتهن لالقائهن في براثن الزواج والجنس والمسؤولية، وربما الحمل والولادة، وسلسلة طويلة من الأعباء النفسية والجسدية والاجتماعية!
هل ثمة فرق كبير بين الجريمتين؟ جريمة الاعتداء على الطفل وانتهاك براءته ومن ثم قتله بصورة بشعة من قبل وحش فقد كل معاني الإنسانية والقيم، وبين جريمة تزويج القاصر والطفلة وانتزاعها من براءتها وطفولتها وأحلام مراهقتها إلى غياهب العلاقة مع رجل زوج بكل ما يحمل مثل هذا الزواج لها من تغيّرات ومعاناة نفسية وجسدية واجتماعية؟
قد يكون الفرق الوحيد هو أن المجتمع، أو جزء منه، بجهله وتخلفه وتشوه ثقافته يضفي الشرعية والمباركة على اختطاف الطفلة والقاصر باسم الزواج وقبول ولي الأمر، فيما اغتصاب الطفل وانتهاك حقوقه وحياته يتم قفزاً وخرقاً للشرعية القانونية والمجتمعية، لكن في الحالتين ثمة ضحية تقع دون إرادتها وحريتها الواعية في براثن الظلم والعلاقة الجنسية والنفسية والجسدية القاسية!
طبعا؛ إن كان عدد حالات الطلاق المسجلة لقاصرات هي نحو 500 حالة في عام فإن لك أن تتوقع أن ضعف الرقم هو عدد حالات زواج القاصرات على الأقل في ذات العام، ما يؤشر بوضوح إلى استمرار مشكلة زواج القاصرات كظاهرة في المجتمع الأردني، ومن المتابعة نعرف أن ثمة من يُزوّجنَ في سن أقل من 15 عاما، رغم أن القانون يشدد على منع ذلك، لكن ببعض الأساليب التحايلية يتم تمرير ذلك.
في التبريرات الجاهلة للجوء عائلات لمثل هذا الزواج للقاصرات تتم الإحالة إلى أن مثل هذه الزيجات كانت هي الغالبة في زمان مضى، أي زيجات أمهاتنا وأجيال عديدة من نسائنا، قافزين عن مآسٍ وعقد اجتماعية ونفسية بقيت ضمن المسكوت عنه حتى في تلك الفترات التي سادت فيها هذه الظاهرة، فضلا عن محاولة إلغاء كل فوائد انتشار التعليم والتقدم والوعي الذي شهده المجتمع، والذي حسم – كما يفترض- خطورة وكارثية مثل هذا الزواج على الفتاة ذاتها، وعلى الأسرة والمجتمع.
الهبّة المجتمعية المستنكرة والمصدومة من هول وبشاعة جريمة "سفح النزهة" أمر طبيعي ومطلوب ليدافع المجتمع عن إنسانيته وقيمه في وجه مثل هذه الجرائم، لكنها هبّة مطلوبة أيضا وضرورية للتصدي لجرائم وكوارث إنسانية أخرى تحصل بين ظهرانينا وبتوسع، وعلى رأسها حالات زواج القاصرات والطفلات، وسط تعامٍ ومنح للشرعية الاجتماعية لهذا الفعل الخطير.

التعليق