حنان كامل الشيخ

كان طفلا صغيرا!

تم نشره في الاثنين 10 تموز / يوليو 2017. 11:02 مـساءً

ولد لم يكمل أعوامه الخمس الأولى، يلعب "الزقيطة" وعسكر وحرامية في حارة منزله الصغير، يسمع كلام الكبار لآخر مرة في عمره القصير، ليذهب ولا يعود كما كان.. لا يعود أبدا !
أن تصل السفالة في كائن بشري يمشي على قدميه، لدرجة يمتهن جسد الصغير حتى أنفاسه الأخيرة، المكتومة بالطبع، فهذا الذي يستحيل أن يتصوره خيال أو يستوعبه عقل.
بمنتهى الخسة والدناءة يعيد المجرم تصوير أحداث فعلته السوداء بحق طفولة بريئة، ولد صاحبها هنا في الأردن بعد أن هرب أهله من موت محقق أو تشرد لا مفر منه. ولد بين أقرانه الصغار آمنا مطمئنا عاديا مثل بقية الأطفال، الذين يسكبون الحليب على ملابسهم عمدا، ويعودون إلى بيوتهم بكدمات وجروح، يحلفون لأمهاتهم أنها لا تؤلم أبدا، حتى يتسنى لهم العودة في اليوم التالي للعب في الحارة.
هكذا فعل الصغير الجميل ذو العبارات غير المترابطة، والحروف غير المكتملة بعد، في آخر ليلة خرج بها من باب منزله، ليعود إليها جثة ملفوفة بغطاء أبيض ممنوع أن يكشف عن وجهها، درءا لأحزان أمه التي كانت ستبحث عن عينيه!
المشهد الذي نقلته "الغد" عصر أول من أمس، في تقرير الزميل موفق كمال وتصوير أسامة الرفاعي، يبكي الحجر على جنازة الطفل المغدور ونحيب أمه المسكينة.
المنزل الصغير الذي أغلق بالقفل الحديدي، بقيت داخل جدرانه بقايا من صوت الصغير وربما حليبا مسكوبا عن عمد خلف الطاولة. أغلق وكأنما الحياة قررت أن تقفل أبوابها على لقطة ساكنة لعائلة كانت تعيش بشكل طبيعي، حتى وصل الخبر.
من سيجفف "عياط" قلبها يا أمه المقتولة بخنجر مسموم في ظهرها، المسنود على جدار وهم كبير، أنهم نجوا من أم الكوارث؟ من سيقنع أباه الصافن في جسده المسجى أمام ناظريه، بأن المجرم حين اختار فلذة كبده لم يبحث في جوازات السفر، بقدر ما كان هائجا لضحية أيا كانت، تطفئ سعار رغباته القذرة ؟
في الخلفية أمنيات وأقوال تقوم على كلمة "لو"، يعتقد مطلقوها أنها لربما كانت ستخفف وطأ الصدمة على الجميع؛ فلو أنه لم يقتله واكتفى باغتصابه ومضى بعاره بعيدا عن جسده الغض، فما كان سيعرف أن يقول من المجرم لأنه بالأصل طفل لم يكتمل إدراكه بعد. ولو أنه مثلا قام بدفنه بعد أن استوى عقله، ولو قليلا، لغابت قصته مع الأيام بدون أن تفجع أسرته بصورته الأخيرة، لكان الأمر أرحم!
ما أتعس أن يقف المرء متفرجا على حكاية من أصعب الحكايات، وأكثرها إيلاما وحزنا، دون أن يكون قادرا على فعل شيء سوى الغضب. ما أضعف موقف الإنسان أمام إنسانيته لما لا يملك بدا من المشاركة في الألم، كلاما فقط، دون أن يقدم أو يؤخر في التاريخ والتوقيتات والأحداث.
كلنا سوف ننسى ما حدث مع الطفل الصغير آجلا. سننخرط في حياتنا كما العادة، وسنخاف على أطفالنا أكثر لأيام زيادة. ثم تمضى الأيام علينا كما سابقتها، نتذكر حين المحاكمة وحين التنفيذ و نرتاح.
وحدهم أمه وأبوه وأخوته، سيفتحون يوما القفل الحديدي ويتسللون بصمت عبر الباب، ويغلقونه عليهم حتى آخر أعمارهم.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلنا غضب وألم (أحمد كراجة)

    الثلاثاء 11 تموز / يوليو 2017.
    معذرة ايتها الطفولة ... وقبحا لها من جريمة...
    القلب حزين ... والعين دامعة... والجوارح مسعورة... غاضبة...ثائرة... تحوم حوم الأسود الثائرة ... تزأر أزير الثكالى ...
    تقفو أثر المخالب الخبيثة الغادرة ... الخسيسة الجبانة... اجساد بشرية... وأرواح لم اجد لها تصنيف ... الا ارباب الحثالة والدنأة والشذوذ والاجرام... انه يوم حزين ... يوم اغتيلةللطفولةوالبراءة ... نجثو الْيَوْمَ معتذرين غير معذورين أمامك ايتها الطفولة وكلنا غضب وألم
    وجزى الله خيرا الكاتبة حنان الشيخ على مقالتها التي فيها مواسة للعائلة المفجوعة .