سائد كراجة

الخلاف مع زغلول والعودة للثوابت والأصول!

تم نشره في الأربعاء 12 تموز / يوليو 2017. 12:03 صباحاً

لن يغير من قناعاتي الدينية شيئاً، لو ثبت أن مكة تقع في منتصف الكون، أو غير ذلك، والحقيقة أنني لم اقرأ حرفاً واحداً من إنتاج الدكتور زغلول، كما أنني غير مهتم أن أقرأ، ولكن كلما كنت أشاهد هذا الرجل على قنواتٍ عربيةٍ أتساءل: لمن يقدم الدكتور إنتاجه الغزير في إثبات الإعجاز العلمي للقرآن؟! هل يقدمه للمسلمين حتى يعززوا إيمانهم؟ أم أنه يقدمه لغير المسلمين حتى يدعوهم للإسلام؟ علماً بأنني لا أعرف عن شخص واحد دخل الإسلام أو شخص خرج منه متأثراً بنتاج الدكتور زغلول.
الحقيقة أن عمل الدكتور زغلول لا يدخل ضمن العلم أو البحث العلمي، فهو اجتهاد في قراءته لآيات القرآن الكريم، يحاول فيها تأويل النص القرآني لإثبات تنبؤه أو دلالته على حقائق جغرافية أو فيزيائية أو كيميائية، وأعتقد أن هذا العمل فيه الكثير من الإدانة للمسلمين الذين لم يسبقوا لتلك الاكتشافات العلمية التي زعمها الدكتور زغلول، وسبقها إليهم "الغرب الكافر"، ومن المهم التذكير هنا أن ميزانيات البحث العلمي في الدول العربية هي كسور عشرية من إجمالي الناتج المحلي، في حين أن العدو الصهيوني وصل إلى أعلى نسب العالم في الإنفاق على البحث العلمي، وليس مما ينفق عليه الإعجاز العلمي للتوراة.
ولكن ما استوقفني صراحة في محاضرة الدكتور زغلول في نقابة المهندسين،  الأحداث التي صاحبت تلك المحاضرة، فقد أظهرت تلك الأحداث غياباً للأسس التي نعتمدها لإدارة الخلاف في الرأي، وبينت ضبابية في فهمنا لحرية الرأي والتعبير. فإن كان المثقف هو شخصٌ متدخلٌ في تحقيق العدالة والإنسانية والحياة الأفضل للناس، فإن غاية المثقف هي بناء تلك القيم، وهو بالضرورة يحارب بكل الوسائل السلمية ما يناقض أو يعارض  قيم الحضارة وعمارة الأرض، وبهذا فإن الشرط المسبق لتحقيق دور المثقف هو أن يتمسك بالحرية له ولغيره وبحق الجميع في التعبير عن رأيهم قولا وكتابة وبكل وسائل التعبير، وإن تمسكه بتلك القيم وهذه الحقوق، هو ضرورة وشرط لازم دائم له ولخصومه، ذلك أن التغني بها وإنكارها بذات الوقت على خصوم الرأي والمعتقد، بداية النهاية لحرية الرأي والتعبير. طبعاً، هذا لا ينكر على الجميع معارضة ما نعتقد أنه دجلٌ أو خزعبلات أو تزييف، ولكن رأينا في الآخر يظل رأياً، ولا يصح أن نجعله سلطةً مطلقة فكرية أو عقدية نسلطها على حريات الآخرين، بدعوى أن رأيهم غير صحيح او غير علمي.
الحقيقة أن استضافة نقابة المهندسين للدكتور زغلول أو أي نشاط تقوم به، هو أحد نتائج الديمقراطية، ذلك أن التيار المسيطر على نقابة المهندسين له رأي مؤيد لنتاج الدكتور زغلول، وعلى من لا يعجبه هذا الموقف أن يحشد على المستوى الاستراتيجي للوصول لقيادة النقابة، ولكن أيضا هذا لا يقدح من حق المهندسين أو أي أقلية منهم الاعتراض الشديد السلمي وبكافة الوسائل على من يخالف رأيهم، وأن يعبروا بجميع الطرق السلمية عن اعتراضهم هذا.
من المهم الإشارة في خضم هذا السجال إلى أن الضابط الأساسي في المجتمع الذي يضمن ممارسة حق الرأي وحريته هو القانون، وأن من يُعتدى عليه بالقدح أو الذم أو التحقير بمناسبة التعبير عن حرية الرأي، فإن له القانون، وللمتضرر أن يلجأ إلى القضاء لاقتضاء حقه، ولكن ليس له أن يمنع أو يصادر حق مخالفيه في التعبير عن الرأي.
غاية القول أننا في بناء الدولة المدنية والمواطن المدني نحتاج أن نلزم قيمنا في جميع حروبنا، وأن لا ننجرّ إلى ما نحاربه من إنكار لحريات الناس وحقوقهم لأنها لا تعجبنا، أو لا نتفق معها في الرأي، وفي نفس الوقت أن نجتهد لتكريس ما نؤمن به من قيم الحرية وحقوق الإنسان والبحث العلمي، تلك هي الثوابت والأصول.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التعارض (Omar)

    الأربعاء 12 تموز / يوليو 2017.
    مقال جميل جدا وعقلاني
    فماذا لوحصل تعارض بين تطور العلم وعدم قدرة الدين على اثباته او العكس .
    القران ليس كتابا علميا بحاجة الى اثباتات علمية والايمان ليس بحاجة الى مختبر تجارب للتاكيد على صحته.