علاء الدين أبو زينة

أخطاء مستوطنة في فهم العلمانية..!

تم نشره في الأربعاء 12 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

عندما نشر بعض الأفاقين وتداولوا صورة لشخص ملتحٍ وزعموا أنه قاتل الطفل السوري، علق آخرون بأن الذين فعلوا ذلك هم "العلمانيون". واستند هؤلاء إلى فهم شائع خاطئ تماماً للعلمانيين، والذي يتصورهم أناساً يكرهون الدين والمتدينين ويستهدفونهم كمبدأ، وأن ذلك هو غاية العلمانية وجوهرها. ولكن، للإنصاف، يضيف الكثير من الأشخاص الذين يُعرِّفون أنفسهم –أو يعرِّفهم الآخرون- بأنهم علمانيون إلى تعزيز هذا الانطباع، انطلاقاً من فهم رديء للعلمانية أيضاً.
بداية، لا ينبغي ولا يصح أن يكون العلماني "متعصباً" بشكل أساسي ضد أحد أو فكرة. فالعلمانية تطرح نفسها على أنها تحمي المؤمنين بقدر ما تحمي غير المتدينين. وهي تطالب بضمان وحماية حرية المعتقد الديني وممارسته لجميع المواطنين. ولا علاقة من أي نوع للعلمانية بالحد من الحريات الدينية، أو استهداف الأفراد على أساس التزامهم الديني، لأن فكرتها تقوم على ضمان أن تنطبق حريات الفكر والضمير بالتساوي على كل أصحاب المعتقدات والأديان والأفكار على حد سواء.
يُعرِّف موقع national secular society العلمانية بأنها "مبدأ يتضمن فكرتين أساسيتين: الأولى هي الفصل الصارم للدولة عن المؤسسات الدينية؛ والثانية هي أن الناس من مختلف الأديان والمعتقدات متساوون أمام القانون". ولا يعني فصل الدين عن الدولة أن يكون الدين نقيضاً للدولة، وإنما أن يعمل كل منهما في حيزه الخاص وفيما هو أهل له. والقصد من الفصل هو ضمان أن لا تتدخل المجموعات الدينية في شؤون الدولة، والتأكد أيضاً من أن لا تتدخل الدولة في الشؤون الدينية.
بذلك، قد يكون المتدين المتنور نصيراً للعلمانية، لأنها تضمن حريته في ممارسة معتقداته في بلد ليبرالي أغلبيته من دين آخر أو عقيدة أخرى، وإذا كان يفهم الدين على أنه وسيلة للسلام والتسامح وقبول الآخر. والنقيض هو المتدين المتعصب الإقصائي، الذي يرفض كل آخر ويريد أن يفرض رؤيته على الكل. وإذا تدخل التدين المتعصب في الدولة، فإنه يصنع النموذج الذي يصنع التطاحن والعنف في منطقتنا على أساس اختلاف الآخر في المذهب أو الطائفة. ومن الواضح أن ذلك يتجاهل المشتركات والمصالح وإمكانيات التفاوض وتحقيق الفوائد الدنيوية، ولا يصنع الحرية والسلم للمجتمعات.
حسب تعريف الموقع المذكور، لا تمنع العلمانية المتدينين من حق التعبير عن آرائهم علناً، لكنها تضمن حرية التعبير للخطاب الآخر أيضاً، بحيث لا تمنح معتنقي فكر معين ميزة حرية التعبير وحدهم وإعدام الخطابات الأخرى. والنتيجة النهائية هي خلق مجتمع ديمقراطي مبدؤه تمتع كل المواطنين بنفس الفرصة، والعيش في دولة عادلة وسلمية.
بذلك، لا يُمكن وصف أناسٍ يروجون صورة مزيفة لمتدين لربطه بسلوك شائن بأنهم علمانيون، لأن العلمانية تحتقر الإقصاء والتزوير وإيقاع الظلم بأي آخر، فيما يتناقض مع مبدأ العدالة الذي تنادي به. وليس تشويه السمعة لأغراض أنانية بطريقة تعزز الاستقطاب والعدوانية ممارسة يعتنقها أنصار العدالة والمساواة والتعايش السلمي على أساس حكم القانون.
للأسف، يعرض بعض المنتسبين خطأ للعلمانية أنفسهم كأشخاص متطرفين جداً ورافضين للآخر إلى درجة التأليب الصريح عليه. والمصيدة هنا هي أن ينجح المتطرفون الأيديولوجيون، على أساس الدين أو أي عقائد سكونية، في استدراج الآخر الذي يفترض أن يكون متنوراً، إلى الوقوع في خطأ التعميم، أو رغبة الانتقام والعدوانية –نفس أدوات المتطرف، وتشكيل ما يُدعَون "الملحدون المتشددون" militant atheists، المعادين للعلمانية بنفس المقدار. لكن ميزة العلماني المدرك لجوهر الفكرة هي أنه يرفض هذه الاتجاهات أو المشاركة فيها. وربما يجب الاعتراف بأن دعاة الديمقراطية وحكم القانون وفصل الدين عن الدولة في مجتمعاتنا كانوا هدفاً مفضلاً لهجوم المنظومات السكونية المتحالفة، من الأنظمة السياسية الرجعية والأصولية الإقصائية، لكن الرد يجب أن يسترشد مع ذلك بالأخلاقية والتسامح والتنوير.
بهذه التعريفات، تطرح "الدولة العلمانية" نفسها كاتجاه توفيقي تجميعي على أساس توزيع نفس الحريات بالتساوي وخضوع الجميع لحكم القانون. ويتبرأ المؤمنون بها –بالتعريف- من استخدام الافتراء والتلفيق والاستهداف بالتشويه غير المبرر، بقدر ما تتبرأ من خطابات التحريض والكراهية والإقصاء والفئوية والطائفية التي تُروَّج باسمها. وإذا رأى "العلماني" بهذا المعنى في نفسه أثراً لكراهية أو توتِّر مفرط في الخطاب، فعليه مراجعة تعريفه لنفسه.

التعليق