الإعجاز العلمي في النصّ الديني: الوهم اللذيذ

تم نشره في الخميس 13 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

أشيرُ ابتداءً إلى أنَّ أي حديث عن إعجاز علمي في أيّ نصّ ديني (يهودي/ إسلامي/ ميسحي/ بوذي/ هندوسي...الخ) ينطوي على خطأ منطقي أصلاً. فالمرجعية التي يحتكم إليها رجل الدين في علاقته بالعالم هي (النصّ الديني)؛ في حين أن (العالَم) هو مرجعية (العالِم). لذا أن يأتي رجل دين أو عالِم ليتحدّث عن إعجاز علمي في نصّ ديني، فهي استجابة لصوتٍ داخلي مكلوم، يرى في نصّه نصاً مظلوماً على المستوى العالمي، لذا يسعى إلى إبراز قوة هذا النص، عبر مظلومية ثانية يعيشها رجل الدين أو العالِم، يعمل من خلالها على استدعاء النصوص الدينية القديمة وتركيب العالَم الحديث وفقاً لمقتضياتها، ثم يصرخ بعالي الصوت: هَاكُم اقرأوا كتابيه؟! كتعبيرٍ سيكولوجي كبير ليس عن أفضلية هذا النص على بقية النصوص الأخرى، بل والقيمة الأنطولوجية التي يمنحها هذا النصّ لأتباعه أيضاً، فهو كالصدفة التي يحتمون بها، لا سيما ساعة يعجزون عن النظر في مادة العالَم كما هي.
إذاً، نحنُ أمام مقدمتين مختلفتين، لا يمكن أن يُركّبهما على بعضهما البعض إلا إنسان صاحب أطروحة سيكولوجية، فهو يعيش حالة من الاندفاعة الوجدانية تجاه نصّه الديني وضرورة انسجامه مع منجزات العلم الحديث، طوعاً و/ أو كرهاً:
المقدمة الأولى هي: (النص الديني)، والمقدمة الثانية هي (العلم)، والنتيجة الحتمية هي: الإعجاز العلمي في النصّ الديني!.
إذاً، مرة أخرى نحن أمام أطروحة منطقية عجيبة:
النصّ الديني القديم/ مقدمة كبرى
العلم الحديث/ مقدمة صغرى
الإعجاز العلمي في النصّ الديني القديم/ النتيجة.
والعجب في هذه المعادلة، هو فيما أسلفت لناحية المرجعيات التي يشتغل عليها أتباع هذه المعادلة، فرجل الدين إذ ينطلق من مقاربة الوجود فإنه ينطلق في ذلك من نصّه الديني تحديداً، في حين أن العالِم يُقارب الوجود من العالَم، فهو المادة التي يبحث فيها ويحفر بحثاً عن آفاق علمية جديدة. لذا يصبح الإتيان بمقدمة كبرى متمثلة بالنص الديني ومقدمة صغرى متمثلة بالعلم ومنجزاته الجديدة، نوعاً من الخطأ المبدئي، الذي سيُركّب عليه خطيئة تالية متمثلة في الوصول الحتمي إلى الإعجاز العلمي في النصّ الديني!
وإذا السؤال: كيف لمثل هذه المعادلة أن تسري في مجتمع من المجتمعات، وتصير شعاراً رئيسياً من شعارات المرحلة، كما هو الحال في العالَم العربي في الوقت الحاضر؟.
للإجابة عن هذا السؤال لا بد لي من العودة خطوة إلى الخلف، والبحث عن جذر المشكلة الأساسي لدى المُتديِّن عموماً، سواء أأتخذ هيئة رجل دين يدرس الفقه أو تعاليم الفيدا أو أصول الدين أو اللاهوت المسيحي أو أتخذ هيئة باحث يدرس الهندسة الكهربائية أو الطب البشري. بحيث تصبح معادلة مثل معادلة الإعجاز العلمي مأثرة بالنسبة لهذا المتدين، رغم تهافتها منطقياً؟
بمعنى آخر، كيف لمتدين، سواء أكان شيخاً أو حاخاماً أو خورياً أو راهباً أو مهندساً كهربائياً أو طبيباً، أن يُوالف بين مقتضيات نصّه الديني وما توصّل إليه العلم الحديث، على أساس أن أصول أو جذور كثير من المنجزات العلمية الحديثة، موجودة في نصٍّ ديني بعينه؟. فالمهندس المسلم المتدين سيعتبر أن جذور بعض الظواهر العلمية الحديثة موجودة في النص القرآني تحديداً، ومن أجل هذا يلجأ إلى عملية (قص/ لصق) لمنجزات علمية ولصقها بطريقة تجعل منها منسجمة تماماً مع النص القرآني. والطبيب المسيحي المتدين سيعتبر أن جذور بعض الظواهر العلمية الحديثة موجودة منذ ألفي عام في نصوص الإنجيل، وسيلجأ هذا الطبيب إلى عملية (قص/ لصق) لمنجزات علمية ونصوص دينية مسيحية، بحيث ينسجم أو يتطابق ما هو علمي حديث مع ما هو ديني قديم.
المسألة مُتعلقة أساساً بالإمكان التكويني للنصّ الديني، لناحية قدرته على تشكيل معالم الناس أنطولوجياً (وجودياً) في هذا العالَم، حتى ولو انبنت مثل هذه التشكيلات انبناءً سيكولوجياً، لا انبناءً معرفياً. كما هو حاصل مع غالبية الناس الذين يتبنّون الأطروحة الدينية تبنّياً سيكولوجياً دون أن يكونوا ملّمين بمضامين هذا النص، فهم يأخذونه كـ(كُلّ) غير قابل للتجزئة، لذا تراهم يدافعون عنه دفاعاً شرساً ضدّ كل ما يُخالف البنى الوراثية التي توارثوها عن هذا النص. فهو الذي يُشكّل معالم وجودهم في هذا العالَم على المستوى الجسدي والعقلي والروحي، ليس في العالَم الفاني فقط، بل وفي العالَم الأبدي أيضاً. فالنصّ بالنسبة إليهم هو صفر الوجود الزماني والميتافيزيقي، فكل ما هو قبل هذا النصّ –وصولاً إلى الأزل- خاضع بالضرورة لمتقضيات استبصاراته القَبْلية؛ وكل ما هو بعد هذا النصّ –وصولاً إلى الأبد- خاضع بالضرورة أيضاً لمقتضيات استبصاراته البَعْدية.
وعليه تصبح منطلقات هذا النص هي منطلقات الناس، ومآلاته مآلاتهم، وانبثاقاته انبثاقات لهم، فهو المَعْبَر اللاهوتي الكبير الذي يعبرون من خلال انفراجاته ومساماته إلى الوجود وموجوداته. لذا، لا عجب أن ينغمس المُتديّن انغماساً سيكولوجياً في النصّ الديني، ويحلّ فيه حلولاً أخيراً، فبدون هذا النص تنعدم قيمة المتدين الأنطولوجية (الوجودية) ولا يعود له ثمة معنى في هذا العالَم. وسيزيد هذا الانغماس وفقاً لاعتبارات الردّ على نصوص الآخرين، سواء أكانت نصوصاً دينية أو علمية أو فلسفية. فإذا ما ادّعت نصوص الآخرين قدرة على تشكيل العالَم، سينزوي المتدين داخل نصّه الديني انزواءً دفاعياً، ويتشرنق داخله بصفته صدفته الوجودية التي تقيه رضّات الحياة. وفي لحظةِ وهمٍ لذيذ –لا سيما إذا ما شعر بتهديد كبير لمُكوّنه الجسدي/ العقلي/ الروحي- سيؤصّل للعالَم من داخل نصّه، معتبراً أنّ أيّ حادثة أو قضية في الزمن والمكان الأرضي، أو في اللازمان السماوي، هي قضية منصوص عليها في نصّه، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وفي حال التقليعة الحديثة (الإعجاز العلمي في النصوص الدينية) إلى تركيب معادلة خاطئة على المستوى المنطقي (المعادلة التي أشرتُ إليها أعلاه)، لكنها ستكون صحيحة تماماً على المستوى السيكولوجي؛ لذا تصبح معركة الأخذ والردّ على هكذا معادلة أصعب وأشرس، نظراً لالتباسها أساساً، واشتباكها وتشابكها مع قيمة المتدين في هذا العالَم. فهو إذ يشعر بأي نقد للنتيجة التي توصّل إليها أو توصّل إليها الجهابذة من المتدينين العلميين؛ أعني الإعجاز العلمي في النصّ الديني، فهو تهديد أنطولوجي بالدرجة الأولى، قد يستلزم استخداماً –من قبل المتدين- لأي أداة يرى أنها ضرورية للدفاع عن قيمته الوجودية في هذا العالَم، لا سيما ضدّ أبناء جلدته الذين يشعر أنهم خذلوه وتخلّوا عنه في ساعة العسرة، وتركوه يصارع وحده العالَم أجمع.

التعليق