عيسى الشعيبي

مهما كان الثمن

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2017. 12:04 صباحاً

ببراعة شديدة، وحسٍ عالٍ بالمسؤولية الاخلاقية، عنونت منظمة العفو الدولية (الأمنستي) تقريرها العاجل حول ما حدث في الموصل خلال الاشهر التسعة الماضية، بأنه جريمة انسانية بشعة، شاركت في ارتكابها "داعش" والقوات العراقية على مختلف تسمياتها، جنباً الى جنب مع قوات التحالف الدولي، هذه القوات التي تخطت كل الاعتبارات الانسانية، وقارفت عمليات قتل بمختلف الاسلحة العمياء، لتحقيق هدف لا خلاف على مشروعيته، تحت شعار غير معلن، الا وهو دحر التنظيم الارهابي "مهما كان الثمن" ومهما كانت النتائج الجانبية.
اذ باستثناء بعض الاصوات الخافتة والمتفرقة، المحتجة على ما اصاب احدى اعرق مدن العراق من تدمير لا حد له، وما لحق بسكانها من قتل بالجملة، وترويع وانتهاكات وتهجير تجاوز كل المعايير التي تعمل على هديها الجيوش النظامية، انفردت "الامنستي" بموقف معبر عما يدور في ضمائر ملايين العراقيين والعرب، الذين شاهدوا صور المدينة المنكوبة، وفتت افئدتهم طوابير النساء والاطفال الخارجين من بين الانقاض، دون ان تكون لديهم الجرأة على قول كلمة حق ينبغي ان تقال، عن تحرير الموصل وتدميرها في الوقت ذاته، حتى وان كان الهدف قتال منظمة اجرامية لا تعرف الرحمة.
والحق ان ما اصاب الموصل لم يكن مفاجئاً، الا من حيث الحجم والمدى، ناهيك عن طول هذه المعركة التي تعد اطول المعارك منذ الحرب العالمية الثانية، فقد سبقها الى مثل هذا المصير المحزن كل من الفلوجة والرمادي، والعديد من المدن والبلدات السورية على هذا النحو او ذاك، الامر الذي يشير الى ان الحرب على الارهاب، او على المؤامرة الكونية، هو في التحليل النهائي حرب اتخذت من ظهور "داعش" ذريعة مناسبة لتبرير عملية استئصال سكاني واسعة النطاق، تمهد لإعادة هندسة ديمغرافية المشرق العربي، وفق ما تشتهي ايران.
وبصراحة اكثر، فإن الطابع الحقيقي لهذه المعارك المتنقلة بين سورية والعراق، ينطوي في جوهره على صراع مذهبي صارخ، عبّر عنه احد قادة الميليشيا، لدى بدء معركة الموصل بقوله؛ انها معركة ثأرية بين احفاد الحسين واحفاد معاوية، وان الهدف منها تسوية الحساب المؤجل منذ واقعة كربلاء، الامر الذي يكشف بكل فجاجة عن الغايات النهائية لعمليات التدمير والتهجير المنهجية الجاري تنفيذها على قدم وساق، على طول الطريق الواصل بين ايران والبحر المتوسط، اي اعادة بعث الامبراطورية الفارسية البائدة في هذه البلاد.
ولعل انكشاف هذا المخطط الايراني بعيد المدى، لدى الرأي العام العربي، هو الذي دفع بالكثيرين من المسؤولين وقادة الرأي الى الاستنتاج ان "داعش" هي صنيعة ايرانية في الاصل. وحتى اذا كان هذا الاستنتاج غير صحيح على الاطلاق، فإن الحقيقة الماثلة، وتتابع الاحداث الكاشفة، يؤكدان بما لا يدع مجالاً للشك ان ظهور تنظيم الدولة، كان احد اهم الروافع التي نقلت المشروع التوسعي الايراني من حيّز التفكير الحالم، الى ارض الواقع العملي المباشر.
واذا علمنا ان معظم القوى المحلية والاقليمية التي تحارب ضد "داعش" هي من طبيعة مذهبية واحدة، قوامها الاقليات الدينية والعرقية المقاتلة تحت شعار "حلف الاقليات" لأدركنا ان تدمير الموصل واستئصالها هكذا، شأنها شأن غيرها من المدن السنية الذبيحة في تلك الديار، كان هدفاً في حد ذاته، لا تغطي عليه اهازيج الانتصار وحلقات الدبكة، ولا تشتته الرواية الساذجة لمغزى كل هذه المجريات، التي تصب في نهاية مطاف قصير في صالح طهران، المبتهجة بتحويل العراق الى حديقة خلفية لها، وبتطويب انجازاتها الاخيرة في بلاد الشام كمنتج ايراني.
اذا كان صحيحاً ان دحر "داعش" من الموصل امر مرحب به، لاعتبارات تخص مجمل العالم العربي، فإن خوض معركة الموصل من جانب ميليشيات لبس بعضها لباس الجيش العراقي، تحت شعار اخراج هذا التنظيم الارهابي "مهما كان الثمن" فإن من الصحيح ايضاً ان الحرب ضد "داعش" سوف تطول اكثر، وستنتقل الى مطارح اخرى، الى ان تتمكن ايران من استكمال مخططها الامبراطوري، الذي ما كان له ان يتحقق على هذا النحو، وان يستقطب القوى العظمى من الشرق والغرب لصالحه، لولا ظهور هذا التنظيم، الذي سوّغ بجرائمه وقلة عقله كل هذا الفجور الايراني العميم.

التعليق