د.باسم الطويسي

الإعلانات التجارية: خارج النص

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

لا شك أن من حق سائقي التاكسي العمومي المطالبة بإزالة الاعلان التجاري الذي ظهر في شوارع عمان لشركة جديدة مشغّلة لخدمات النقل داخل المدينة، ومن حق من يعتقد ان الاعلان يسيء لهذه الفئة المحترمة من المجتمع او مَن اعتبره غير لائق ويشكل تعديا على الذوق العام والأخلاقيات ان يذهب الى القضاء وان يطالب برد الاعتبار والتعويض، على ان يتم ذلك بعيدا عن التنافس التجاري ومعركة السيطرة على خدمات النقل بين المشغلين التقليديين والشركات الجديدة، فهذه المعركة  من المفترض ان تحسمها جودة الخدمة وسرعتها وما يدفعه المواطن اي على اساس مصلحة المواطن اولا واخيرا.
المهم في الموضوع ان احدا لم يقل لنا بوضوح كيف أساء ذلك الاعلان للذوق العام غير ما تقوله الصورة في الاعلان، والتي تعيد صورة نمطية جسدتها السينما العالمية والعربية، وتعكس التوظيف الجنسي في نمط ما يسمى "السفر المجاني"، اي الذين يبحثون عن وسيلة نقل بالمجان. وباعتبار ان التوظيف الجنسي ظاهرة ارتبطت بنشأة الاعلان التجاري المعاصر، ففي معظم انحاء العالم لا احد يناقش افكار الاعلانات وعناصر الجاذبية فيها سواء الجنسية وغيرها اذا لم تتجاوز حقوق الآخرين المعروفة قانونيا، فحدود اللعبة معروفة جيدا، لان تلك المجتمعات تفهم السياق الثقافي والاقتصادي للاعلان وانه مجرد اغراء لتغيير السلوك الاستهلاكي.
الاكثر اهمية أن سلسلة من الاعلانات التجارية باتت تظهر مؤخرا خارج السياق والنص التقليدي، ليس بسبب تطور قدرات ابتكارية في الترويج للخدمات او السلع، بل بسبب انها تحمل جرأة غير معهودة في مخاطبة مناطق محظورة في الثقافة المجتمعية التقليدية، بعضها يتم وقفه وبعضها يمر. ورغم ان صناعة الاعلان في العالم العربي بشكل عام وفي الاردن بشكل خاص محدودة، الا أن علينا الانتباه الى ان الاعلان التجاري قد يكون في لحظة ما اداة للتغيير الثقافي والاجتماعي كما تفعل السخرية والفكاهة الإعلامية. علينا ان نراقب بعض هذه الظواهر بشكل جيد ونمارس نقدها بإيجابية قبل إطلاق الاحكام المطلقة، حيث إن السياق التجاري ومنطق السوق والمنافسة وكل تلك المحددات قد لا تكفي في تفسير دور الاعلانات التجارية والسخرية السياسية والاجتماعية احيانا، وتحديدا في لحظة تاريخية يلفها الغموض والردة الثقافية والسياسية.
قبل اشهر أطلقت شركة الملكية الأردنية  للطيران سلسلة حملات اعلانية اثارت ردودا مجتمعية متناقضة وصفت بانها ضمن استراتيجية اعلانية جديدة للشركة، من بينها إعلان يدور حول المساحة المخصصة للجالس في مقعد الطائرة. أثار الإعلان الذي وصفه ناشطون بـ"الخادش للحياء العام" والمتنافي مع قيم الاردنيين، الكثير من ردود الفعل. إعلان "الستون إنشا"، كما وصفه ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي، كان مبهماً،  ونشر في الصحف اليومية اي كان موجها للجمهور الاردني بمعنى انه خاطب المناطق المحظورة تقليديا.
الاعلانات التجارية بالعموم اداة تسويقية تعمل لاصحاب المصلحة، ولكن ان جاءت بتخطيط او بدون تخطيط بقصد او بدون قصد، فهي واحدة من ادوات التغيير الاجتماعي والثقافي والتحديث ونشر المبتكرات، ليس للسلع والخدمات فقط ، بل وللافكار وانماط السلوك، وقد تتسلل ببطء الى المجال العام وتسهم في رفع الغطاء عن مساحات في المحرم الاجتماعي والثقافي، وقد تؤكد هذا التحريم، او قد تسهم في النحت حوله او تهشيمه حتى يسقط. المهم ان يتحرك الراكد وان يتكلم الناس وان يطرحوا الاسئلة وان يؤيدوا ويعارضوا ويشتبكوا مع الاحداث. الحركة اساس التقدم حتى وإن بدت مربكة وفوضوية.

التعليق