موفق ملكاوي

عن محمود الريماوي

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً

يوم الإثنين الماضي، كنت مدعوا للمشاركة في احتفالية رابطة الكتاب الأردنيين بقامة إبداعية كبيرة؛ صديقنا وأستاذنا محمود الريماوي. غير أنني، ولأسباب كثيرة، لم أستطع المشاركة بهذه الاحتفالية، وها أنا أختصر ما كنت أود قوله هناك، بهذه العجالة.
من أفضل الصدف التي يمكن أن يختبرها الصحافي، أن يجد شخصا له طول بال على إزجاء النصائح والملاحظات على كتابته، ما يؤدي بالتالي إلى رفع سويتها، ووضع الكتابات على الطريق الصحيحة.
وقد كنت أنا من بين أولئك المحظوظين؛ ففي العام 1997 التقيت بالرجل الذي أثّر في حياتي المهنية وطريقة تناولي الكتابة الصحافية بعقلانية وواقعية، وبعيدا عن الغرضنة، خصوصا حين تتصدى للتحليل الذي يدرس الوقائع على الأرض، وليس الأغراض في النفس.
كان محمود الريماوي مديرا للدائرة الثقافية في صحيفة "الرأي"، وكنا مجموعة من الصحافيين الجدد الذين تسيطر علينا الحماسة، فنغلّف كتاباتنا بالرصاص أو بالرومانسية، من غير أن ندرك أن لغة الصحافة تختلف عن التعابير الذاتية وعن لغة الأدب، ولكنها ينبغي أن تلتقي معها في الإبداع.
مرة، كتبت نصا أدبيا بعنوان "فالينتاين فالينتاين"، فأعجب به كثيرا، وبادر إلى طرح سؤال كان صعبا عليّ حينها: "لماذا لا تكتب الصحافة كما تكتب الأدب".
لم أفهم كلامه بما ينبغي لي أن أفهمه. ولكنه استعد على مدار أسابيع لإفهامي إياه، فالنص كان محمولا على واقعية كبيرة، ومن غير زخرفة كثيرة، بل كان يصف الأشياء على ما هي عليه، لأكتشف بعد ذلك أنني كنت، سابقا، أكتب الصحافة بطريقتين: إما طريقة رومانسية، أو طريقة غاضبة.
وعلى مدار سنوات طويلة، بقيت العلاقة مع محمود الريماوي قوية جدا، كشخص أثر فيّ وفي أسلوبي الصحافي، فبتّ أدين له بالكثير؛ أقله مهنتي التي شارفت فيها على بلوغ ربع قرن.
في توجيهاته التي كان يعطينا إياها، تتجلى أسلوبية الريماوي في الكتابة في المبنى اللغوي للحكاية، والذي برع فيه كثيرا، ليتوّج واحدا من أهم القصاصين العرب اليوم، فالريماوي يبتعد عن اللغة الرومانسية، ولا يعمد إلى الحشو، بل تظل جمله رشيقة وذات هدف ومعنى محددين، من غير أن يدخل في اللعبة السائدة منذ عقود "التعمية" التي تضيع فيها وظيفة اللغة الأولى؛ إيصال الخطاب والمعنى.
لكن وجها آخر في كتاباته، ربما يجعله متفردا، وهو كما قال أحد النقاد عنه إنه "أفضل من يحوّل الهامش إلى متن"، فالمتن الحكائي لقصص الريماوي غالبا ما يلتفت إلى الجوانب المهمّشة التي يهملها الآخرون، فهو يستهدف أولئك الذين لا يشكلون قمة في الحكاية، ويكثف الضوء عليهم ليجعل منهم الأبطال الذين تبدأ الحكاية نفسها بمغازلتهم ورفع منزلتهم إلى رتبة الأبطال الآخرين. لكنه بذلك يؤكد على واقعيته الكبيرة، فهو لا يريد أبطالا خياليين، بل أناسا عاديين مثلنا تماما. وهو بذلك يؤكد على أن دور البطولة يمكن أن يلعبه أي شيء أو أي شخص، وأن خشبة المسرح تتسع للجميع.
من الجميل أن تلتفت رابطة الكتاب إلى تكريم قامة إبداعية بحجم الريماوي، إلا أنني ما أزال مصرا على أن كتابات الريماوي، ورغم تناولها ببعض الدراسات، إلا أنها لم تأخذ حقها في النقد والدراسة، فرحلة الكاتب التي بدأت من بيت ريما مرتحلا نحو مصر ولبنان والكويت، ليستقر به المقام في الأردن، هي رحلة ثرية عكسها في كتاباته، وواجبنا أن نلقي الضوء على هذه الرحلة.
بالنسبة لي، ولآخرين غيري، سأظل مدينا للريماوي دائما، فهو الذي استطاع تشذيب لغتي الصحافية وتنقيتها من الرومانسية والأدب، وأنها لغة تنطلق، أولا وأخيرا، مما هو كائن في الواقع وليس في النفس. كما لا أنسى أنه استطاع أن يعلمني الواقعية في الأدب، وأنه ليس مجرد لغة فضفاضة ومبهمة يمكن أن تفعل أي شيء.. سوى الوصول لمعنى.

التعليق