أمن إمدادات الطاقة وتداعياتها الجيوسياسية

تم نشره في السبت 15 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

لهب عطا عبد الوهاب*

يتأثر النفط، خلافا للسلع الاخرى بدرجة كبيرة بالعوامل الجيوسياسية والتي فعلت فعلها في السنوات القليلة الماضية بدءا من الربيع العربي العام 2011 والخشية من أن يؤدي ذلك إلى توقف الإمدادات، لا سيما الإمدادات المارة عبر قناة السويس أو مضيق هرمز أنتهاء بتهديد " الحركة الحوثية"في اليمن بغلق مضيق باب المندب . وجاءت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا يوم 15 تموز (يوليو) 2016 لتؤدي إلى توقف حركة السفن عبر " مضيق البوسفور لوقت قصير، وهو ما ذكر العالم بالأهمية الكبيرة والمتزايدة لتركيا كممر لعبور السلع الأولية بين روسيا وآسيا الوسطى وأوروبا.
يمكن تأطير الاهتمام بأمن الطاقة وقضاياها المتشعبة من " الناحية التاريخية إلى عشية الحرب العالمية الأولى العام 1914 حين أتخذ الزعيم البريطاني " ونستون تشرتشل" وكان في حينها وزيرا للحربية، قرارا بتحويل طاقة الأسطول البحرية التي كانت تعمل بالفحم إلى العمل على النفط الخام لجعل الأسطول البريطاني أسرع وأفضل من نظيرتها الألمانية.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ الاهتمام المتصاعد بأمن الطاقة، ولا شك في أن مرد الاهتمام بهذا الموضوع لا يعزى فقط إلى اختلال التوازن بين عرض الإمدادات والطلب عليه، بل يمكن أن تعزى كذلك إلى ان أمن الطاقة أصبح مرادفا للتهديدات الإرهابية، وأبلغ دليل على ذلك ما قامت به " داعش بعد سيطرتها على محافظة نينوى في العراق وإعلانها "دولة الخلافة"المزعومة من سيطرتها على مراكز التكرير في بيجي والشرقاط.
ما هدد بتوقف الانتاج النفطي العراقي بالإضافة إلى حالة "عدم اليقين " في بعض الدول المصدرة، وإلى السباق والتنافس الجيوسياسي وحاجة الدول للطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي ولعل الطلب المتعاظم في الصين لتعزيز عملية النمو الاقتصادي فيها يعد من أبرز الامثلة على ذلك لا سيما وأن الصين كانت وحتى وقت قريب – مطلع التسعينيات - مصدرا صافيا للنفط، بيد أن ذلك تغير جذريا بدءا من العام 2004 مع ارتفاع الاستهلاك على النفط فيها إلى أكثر من 7 ملايين برميل يوميا، متجاوزة في ذلك اليابان، التي كانت حتى وقت قريب ثاني أكبر مستهلك في العالم.
إلى ذلك، فان العالم أخذ بالاعتماد على مصادر طاقة من دول مازالت نظم الأمن فيها قيد التطوير، وتبرز بين الآونة والاخرى خلافات سياسية تؤثر بشكل غير محسوب أو متوقع على تدفق الطاقة وانسيابها ولعل مثال على ذلك ما حصل في مطلع العام 2008 من خلاف بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا حول تسعير الغاز الطبيعي  والذي أفضى إلى توقف إمدادات الغاز المتجهة إلى أوروبا ولا سيما إمداداتها إلى بولندا والمانيا.
ولا تتوقف تجليات أمن إمدادات الطاقة عند هذا الحد فقط بل تمتدد لتشمل مع النمو المتسارع في تجارة الطاقة ما يعرف بـ "نقاط الاختناق "  Chok Points عبر الممرات البحرية ، ومن أهمها مضيق هرمز قبالة الشواطئ الإماراتية التي يمر من خلالها أكثر من 17 مليون برميل يوميا أو ما يعادل 40 % من تجارة النفط البحرية وهناك نقاط اختناق أخرى - والتي لا تقل أهمية عن مضيق هرمز ومنها كل من مضيق مالقة الذي يربط شبه القارة الهندية بشواطئ المحيط الهادئ إذ طالما تعرضت الناقلات البترولية العابرة خلالها لعمليات قرصنة، ومضيق " باب المندب " الذي يربط بحر العرب بالبحر الاحمر ومضيق " البوسفور" الذي يربط البحر الاسود وبحر قزوين بالدول المطلة على شواطئ البحر الابيض المتوسط.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
أثار إعلان دول الاتحاد الأوروبي في نهاية  كانون الثاني (يناير) 2012 فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران على خلفية ملفها النووي المثير للجدل بما في ذلك حظر الواردات النفطية الإيرانية، أثار رد فعل إيراني غاضب بالتهديد بالرد على هذه العقوبات بإغلاق مضيق هرمز الحيوي أمام الملاحة الدولية، وهو تهديد في حال تنفيذه، ستكون له تداعيات وخيمة إذ سيعني ذلك حرمان العالم من 17 مليون برميل يوميا من النفط الخام الذي تمر خلاله على ظهر الناقلات العملاقة، ناهيك عن الاضرار البالغة التي ستلحق بالصادرات الخليجية والتي يمر نحو 80 % منها عبر ذلك المضيق، ولا شك في أن تنفيذ التهديدات الإيرانية بإغلاق المضيق يرقى إلى مستوى إعلان حرب على العالم وفقا للقانون الدولي.
غلق المضيق والبدائل المتاحة:
يعد مضيق هرمز الذي يقع بين سلطنة عُمان وإيران والذي يربط الخليج العربي ببحر العرب، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، ويبلغ عرض المضيق 60 كيلو مترا تعبره يوميا الناقلات النفطية العملاقة التي يزيد وزنها عن 150 ألف طن، والتي تصل في ساعات الذروة إلى ناقلة واحدة كل 6 دقائق أي بمعدل يومي قدره 30 ناقلة.
ومثل حجم النفط الذي مر عبر المضيق العام 2015 ما يعادل تقريبا 35 % من تجارة البترول البحرية، وهو ما يعادل كذلك 20 % من اجمالي التجارة البترولية في العالم، وتعد قارة آسيا الوجهة الجغرافية الرئيسة للنفط العابر من خلال المضيق إذ أستاثرت بأكثر من
85 % من الصادرات البترولية كان حصة الاسد فيها للأسواق النفطية في اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية .
وقد دفعت التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز امام ناقلات، دول مجلس التعاون للتفكير جديا في استخدام خطوط الانابيب كبديل لذلك :
 1 - المملكة العربية السعودية: يعد خط  Petroline أحد أهم الخطوط البديلة في حال غلق المضيق، ويعرف أيضا بشبكة انابيب الشرق الغرب، ويبلغ طوله 757 ميلا حيث يربط ابقيق في الشرق بميناء ينبع على البحر الأحمر وبطاقة استيعابية قدرها 5 ملايين برميل يوميا.
2 - الإمارات العربية المتحدة: فقد أعلنت عن بدء تشغيل خط  أنابيب لنقل النفط لديها من حقول حبشان في إمارة أبو ظبي الواقعة غربي الخليج، إلى مرفأ الفجيرة على خليج عمان شرقا دون المرور في مضيق هرمز بطاقة تصل إلى 1.4 مليون برميل يوميا يمكن زيادتها إلى 1.8 مليون برميل يوميا كحد أقصى، الأمر الذي سيتيح تصدير 70 % من إنتاج الإمارات النفطي عبر الفجيرة دون المرور بمضيق هرمز المحفوف بالمخاطر.
3 - العراق:  سيتحمل العراق الوزر الأكبر في حال إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية لا سيما وأن أكثر من
90 % من إجمالي صادراته النفطية تتم عبر الخليج العربي .
وفي المقابل فإن صادراتها من المنافذ الشمالية (كركوك)عبر ميناء جيهان التركي على البحر الابيض المتوسط لا تمثل سوى 10 % من إجمالي صادراته النفطية.
وهناك محاولات لإعادة احياء عدد من الخطوط المعطلة منها خط بانياس على ساحل البحر الابيض المتوسط، بيد أن ما تشهده سورية اليوم من قلاقل تحول دون تحقيق ذلك في الوقت الراهن.
كما أن إعادة احياء الخط الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الاحمر والذي تصل طاقته الاستيعابية إلى 1.650 مليون برميل يوميا والمغلق منذ غزو الكويت العام 1990، هو الأخر بعيد المنال حاليا لما يعتري العلاقات العراقية السعودية من فتور.
ويستخدم العراق بشكل محدود اسطوله من الصهاريج لنقل النفط إلى الأردن والتي يمكن زيادة عددها كأحد البدائل المتاحة في حال اغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية.
وهناك توجه لانشاء خط أنابيب يربط مدينة البصرة في جنوب البلاد بميناء العقبة الأردني وبطاقة انتاجية تصل إلى مليون برميل يوميا.
إيران وسياسة حافة الهاوية:
إن ما يشهده العالم اليوم من توتر بين قطبي الرحى في الخليج العربي : إيران
والسعودية يعيد إلى الذاكرة (سياسة حافة الهاوية) policy of brinkmanship  التي سادت في ستينيات القرن الماضي إبان أزمة الصواريخ في كوبا، حين أعلن زعيم الحزب الشيوعي خروتشوف (في خريف العام 1962) عن نشر صواريخ نووية قبالة شواطئ فلوريدا، ما حدا بالرئيس الأميركي ( جون كنيدي) إلى إصدار بيان شديد اللهجة أدى في نهاية المطاف إلى نزع فتيل الأزمة بعد أن حبس العالم أنفاسه لايام خشية اندلاع حرب نووية تأتي على الاخضر واليايس.
لكن البعض من المراقبين ينظرون إلى التهديد الإيراني بغلق المضيق بإعتباره مجرد (جعجعة) Sabre Rattling يراد منها كسب تأييد الجماهير الإيرانية والتغطية على المشاكل الداخلية التي تعاني منها بلاده.
أما من الناحية العملية، فإن لدى إيران القدرة العسكرية على خلق قدر كبير من الاضطراب في مضيق هرمز وذلك على المدى القصير، من خلال توظيف واستخدام الفرقاطات والزوارق الحربية الصغيرة ذات السرعة الفائقة والمزودة بالصواريخ، بالإضافة إلى قدرتها على تلغيم الممرات مما يعيق الانسياب السلس للسفن العابرة.
ويعيد هذا السيناريو إلى الاذهان (حرب الناقلات) التي أندلعت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي إبان ذروة الحرب العراقية – الإيرانية .
بيد أن قدرة إيران على غلق المضيق لفترات زمنية طويلة لن يكتب لها النجاح لاسباب عديدة، فعلى الرغم من امتلاكها لثلاث غواصات روسية الصنع، إلا أن الوجود العسكري البحري الأميركي تحت قيادة الاسطول الخامس الأميركي (ومقره البحرين) يجعل تنفيذ تلك التهديدات صعبا للغاية، ناهيك عن القواعد العسكرية المساندة في المنطقة كقاعدة العديد الجوية ومقر القيادة المركزية الوسطى للولايات المتحدة CENTCOM في قطر.
إلى ذلك فإن غلق المضيق سيثير حفيظة حلفاء إيران الآسيويين لا سيما الصين، العضو الدائم في مجلس الأمن، والتي تعتمد بشكل كبير على وارداتها النفطية الإيرانية.
والانكى من كل ذلك هو أن غلق المضيق سيؤدي إلى حرمان إيران من تصدير نفطها للخارج بالإضافة إلى حرمانها من وارداتها الاستراتيجية لا سيما وارداتها من المواد الغذائية والسلع الرأسمالية.
إيران لا تمثل التهديد الأكبر لتجارة الملاحة البحرية
وفقا لمجلة The Economist المرموقة فإن إيران لا تمثل التهديد الأكبر لتجارة الملاحة البحرية في دول المنطقة، بل أن الخطر الداهم قد يأتي من " الجماعات دون الدول "  " “Non –  State Actors ومنها جماعة " أنصار بيت المقدس " في شبه جزيرة سيناء موقع السكان البدو الذين يشكون التهميش والتي تتمركز إلى الشرق من قناة السويس . وقد شوهد الإرهابيون في أكثر من مناسبة قبل العام 2013 في فيلم فيديو يصورهم وهم يطلقون صواريخ RPG  المحمولة على الكتف في وضح النهار على السفن وهي تعبر قناة السويس .
إن نجاح أي محاولة إرهابية لاغراق سفينة، لا سيما سفن الحاويات سيفضي إلى غلق القناة لاسابيع عدة وهو ما سيجبر السفن للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح الأمر الذي سيضيف أكثر من 4 آلاف كيلو متر للرحلة المنطلقة من السعودية للولايات المتحدة وما سيترتب عليه من ارتفاع في التكاليف تضاف إلى فاتورة الشحن.
خلاصة القول، ان انغماس العديد من دول المنطقة في لجج حرب أهلية لم يفت في عضد المسؤولين الحكوميين من أبقاء الممرات البحرية مفتوحة بما يؤمن المرور الآمن للناقلات البترولية من دون توقف لا سيما الناقلات المتوجه إلى آسيا الشريك الرئيسي لدول الخليج النفطية، إضافة إلى تأمين وصول الامدادات إلى نصف الكرة الشمالي بنحو منتظم بما يعزز أمن الامدادات التي لم تتوقف حتى في ظل أحلك الظروف قتامة، وربما كان الاستثناء الوحيد لذلك هو الحظر النفطي العربي العام 1973 أبان حرب أكتوبر حين أشهر العرب سلاح النفط بنحو ناجز في ظروف تاريخية لن تتكرر.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق