جمانة غنيمات

الأقصى والمواقف المخجلة

تم نشره في السبت 15 تموز / يوليو 2017. 11:09 مـساءً

كل الأيام في فلسطين صارت موعدا لإعلان الشهداء، ففي كل بقعة منها محتل لا يرحم. وكما المكان صارت كل أمهات فلسطين مؤهلات ليحملن بفخر لقب "أم الشهيد"، بعد أن أسرف المحتل في بشاعته باستعمال السلاح والقوة في وجه شعب طالت معاناته.
في عملية الجمعة  كان الضرر مضاعفا؛ فإسرائيل استغلت الحدث لتقوم بانتهاك غير مسبوق لحقّ الشعب بالصلاة، فقامت بإغلاق المسجد الأقصى بحجة البحث عن أسلحة تزعم وجودها، رغم أن ذلك من المستحيلات اعتمادا على الإجراءات المتبعة من طرفها، وبحجة احتواء العنف والتوتر اللذين تليا العملية.
المشكلة لا تكمن في المغتصب في الأساس، فدوره الطبيعي أن يقوم بالقتل والتنكيل والإبادة والظلم وسرقة الأرض والتاريخ بوقاحة، طالما نحن العرب ندين ونشجب وندعم قتل إخوتنا. فلماذا لا تمضي إسرائيل في تغيير الواقع كما يحلو لها؟
باستعراض المواقف العربية تجد نفسك تشعر بالخجل الشديد على ما أصاب هذه الأمة التي ظلت على الدوام تتنافخ وتزبد وترعد في تأكيد أن فلسطين هي قضيتها الأولى. غير أن ردود الفعل التي أعقبت حدث الجمعة جعلتنا نتأكد أنه ما من أحد يلقي بالاً لهذه القضية حتى لو احترقت فلسطين وأهلها على مرأى من الجميع.
باستثناء موقف الأردن الذي دان بوضوح الإجراءات الإسرائيلية، وطالب بعودة الاحتلال عن إغلاقه المسجد الأقصى، فإننا لم نسمع إدانة واحدة أخرى. وإن كان الأردن معنيا بقضية القدس والمقدسات، فذلك لا يعني أن يُترَك وحيدا لمواجهة ماكينة إسرائيلية مدعومة من العالم بأسره، تجهد لتغيير الواقع وتكريس حقيقة جديدة على الأرض، مرة بالسلاح وأخرى بالصفقات.
ثمة ملامح خطورة شديدة في عملية الجمعة. صحيح أننا فقدنا ثلاثة شبان، وهو الأمر الذي لا يمكن تعويضه أبدا، لكن الأخطر من ذلك هو إغلاق الأقصى لموعد غير محدد، وعدم رفع الأذان هناك للمرة الأولى منذ عقود.. والأخطر من ذلك كله هو الصمت العربي المخزي الذي ترك الأردن وحيدا في مواجهة إسرائيل، بينما الإعلام العربي غطّى الحدث على استحياء، واضعا أولويات أخرى لخطابه التقسيمي الذي لا يصب في مصلحة الأمة، وهو الإعلام الذي ظل على الدوام مرآة للأنظمة ومواقفها البائسة.
 الأردن حمّل إسرائيل مسؤولية تزايد التوتر والعنف في القدس الشريف بسبب تصعيد الانتهاكات التي ارتكبتها سلطات الاحتلال والمتطرفون اليهود بحق المسجد الأقصى مؤخرا. كما أكد رفضه إغلاق الأقصى ومنع إقامة صلاة الجمعة فيه تحت أي ظرف، معتبرا الأمر حدثا خطرا وغير مسبوق، وهو في الوقت ذاته اعتداء على حرية إقامة الشعائر التي تجاوزها العالم في ما يتعلق بالحريات الدينية.
ما يجري في فلسطين عموما، والانتهاكات للقدس والأقصى بشكل خاص، أمر خطير كونه قد يؤدي إلى تغيير وضع المسجد الأقصى إلى الأبد نتيجة تفريط العرب به، بعد أن أضاعوا البوصلة، ولم تعد تشير إلى فلسطين أبدا. لم تكن هذه الدول مضطرة لتقديم مواقف إدانة، وكان من الخير لها لو صمتت، لكنها، وعلى العكس تماما، خرجت بمواقف يندى لها الجبين، فسمعنا الرئيس الفلسطيني، نفسه، يدين العملية، ويصرح بدعمه لإسرائيل على اعتبار أن الشباب الشهداء مجرمون.
لا أدري ما الذي دار في خلد الرئيس الفلسطيني وهو يقدم على مثل هذه التصريحات، وهل اعتقد، مثلا، أنه بمثل هذا المسلك  سيغير الموقف منه؟
وسط المشهد العربي الذي ينشغل فيه الأخ بقتل أخيه تضيع القضية الفلسطينية، وتتبخر فرص إطلاق عملية السلام، أما إسرائيل، فتأخذ فرصتها التاريخية في التغوّل على الحق الفلسطيني، والتوسع في قضم الأراضي والاستملاكات وعقد الصفقات وفرض تغيير ما هو قائم على أرض الواقع.. ونحن غافلون. فهل يستيقظ العرب ويقفون إلى جانب الأردن في موقفه من الانتهاكات الإسرائيلية.. أم سنندم جميعنا يوم لا ينفع الندم!

التعليق