علاء الدين أبو زينة

كلنا نفكر، ولكن..!

تم نشره في السبت 15 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

يقول موقع رابطة التفكير النقدي The Critical Thinking Community: "كل شخص يفكر؛ فمن طبيعتنا أن نفعل. ولكن الكثير من تفكيرنا، إذا تُرك لنفسه، يكون متحيزاً، مشوهاً، مجزوءاً، جاهلاً أو متحاملاً. ومع ذلك، فإن نوعية حياتنا ونوعية ما ننتجه، أو نصنعه، تعتمد على نوعية تفكيرنا".
كأن هذه الصفات السلبية تنطبق جميعاً على نوعية التفكير السائد في هذه المنطقة. ولذلك، فإن "نوعية حياتنا ونوعية ما ننتجه، أو نصنعه" تتسم بالعناء والقلق والحروب والعداء والتخلف. والتشخيص الذي تتفق عليه معظم التحليلات لعلة التفكير العربي، أو "العقل العربي" إذا أردنا، هي أنه "غير نقدي". ولعل الشيء الوحيد الذي ربما ينتمي إلى "النقد" في ممارساتنا العامة، هو النبش على عيوب الآخرين –أو حتى اختلافاتهم عنا- وازدرائهم، أو معاداتهم على أساسها، مع الغفلة الكاملة عن فحص نقائص الذات.
لقد تعب التربويون والمفكرون والمعقبون، وهم يحذرون من افتقار مختلف أنواع المنظومات في مجتمعاتنا إلى مفهوم وآليات التفكير النقدي. وما تزال أغلبية الاتجاهات تشير إلى تراجع مطرد نحو مزيد من "التحيز، التشوه، الجزئية، والجهل والتحامل الفوري" في عقلنا الجمعي، مع عدم الاكتراث بنتاجاتها الدموية وعدم الرغبة في التوقف لتأمل وتصحيح معاييرنا للصواب والخطأ.
ما هو الذي نفتقده؟ يعرَّف التفكير النقدي بأنه "اتخاذ قرارات مُسبَّبة، منطقية ومدروسة جيداً. وهو طريقة التفكير التي تجعلك لا تقبل كل الأطروحات والحجج والاستنتاجات التي تتعرض لها على الفور، وإنما أن يكون لك موقف ينطوي على استجواب واستنطاق هذه الحجج والاستنتاجات". وفي مجال البحث، يُعرَّف بأنه "قدرة الباحث على التحقق من الافتراضات أو الأفكار أو الأخبار، وتقدير ما إذا كانت حقيقية، أم تحمل جزءاً من الحقيقة، أم أنها غير حقيقية". ويُعرَّف الذي يفكر بطريقة نقديه بأنه "الشخص الذي يفكر ويحلل بعد الغوص في المعلومات والتحقق من دقتها وصحتها، ويتأمل المواقف ثم يقيّمها باستعمال إمكانياته التحليلية، ثم يطلق الأحكام أو المقترحات بعد ذلك".
التفكير النقدي، بهذه الكيفية، هو مهارة يمكن تعلمها في المدرسة. ويرى التربويون أن التفكير النقدي في التعليم يعني أولاً تجاوز غاية استظهار المعلومات واستقبالها بحياد على أنها حقائق. ويحدث التفكير النقدي عندما "يقوم الطلاب بتحليل وتقييم وتفسير المعلومات أو تجميعها وتشغيل التفكير الإبداعي لتكوين حجة أو حلا لمشكلة، أو التوصل إلى استنتاج. وتشمل مهارة التفكير النقدي للطلبة التدرب على عمليات كثيرة، منها: "تطوير حجج مدروسة جيداً ومقنعة، وتقييم الحجج المضادة والرد عليها؛ فحص المفاهيم والمواقف من عدة منظورات، بما في ذلك المنظورات الثقافية المختلفة؛ استنطاق الأدلة والافتراضات للوصول إلى استنتاجات أصيلة؛ استنباط طرق مبتكرة لحل المشكلات، خصوصا غير المألوفة والمعقدة منها؛ صياغة وطرح أسئلة مدروسة تحدث اختراقاً؛ والتعرف إلى الثيمات والأنماط وإقامة الصلات المجردة بين الموضوعات".
إذا كان الافتقار إلى مهارة التفكير النقدي يعني عكس ذلك، لا يمكن الحديث عن إصلاح على أي مستوى من دون البدء تحديداً بصناعة العقل النقدي، وتأهيل المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية لممارسته وترويجه. فهو وحده الكفيل بتحييد الخرافات والتنميطات والأحكام المسبقة والتعصب الأعمى لفكرة أو فئة؛ أي كل الصفات التي تدفع بهذه المنطقة إلى الأزمات والانفصال والتخلف، وتغرقها في الحروب والدم.
من أهم فضائل التفكير الناقد تخليص الأفراد من الخضوع الأعمى لسلطة المنبر والخطيب السياسي أو الأيديولوجي. ولن تجد هذه الأشكال من ادعاء امتلاك الحقيقة جمهوراً مستعداً لقبول ادعاءاتها بعقل دوني يشرب ما يُلقى له كالأرض الواطئة، وإنما ستجد نفسها أمام محكمة صعبة، أعضاؤها أفراد المجتمع الذين يسألون ويشككون ويُحاسِبون. ولن يستطيع أحد أن يُمرر شريط فيديو يعرض دجاجة تكتب لفظ الجلالة بالأرز، ويطلب من الناس أن يكتبوا "سبحان الله"، وإنما سيُرجم هذا الأفاق ويُعزل. ولن يستطيع سياسي إقناع الناس بأن الحرب، التي تحفظ بوضوح امتيازاته وموقعه، تصب في مصلحتهم ويجد متطوعين يتحركون بدفع الحميّة القبَلية أو التعصب الطائفي أو الديني بلا حساب للعواقب.
مشكلة مشروع صناعة التفكير النقدي، هي حاجته إلى إرادة سياسية متخلصة من الأنانية والغرام بالمنظومات الرجعية. أما إذا كانت المراكز المتحكمة في التعليم والإعلام والقانون سكونية بطبعها ورجعية، فمأزقنا مرشح للديمومة، ولوقت طويل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نقد في الصّميم (أمل فكري المهتدي)

    الاثنين 7 آب / أغسطس 2017.
    أشكر للكاتب الفاضل تعمّقه في موضوع نحن بأمسّ الحاجة لتوجيه الجيل الناشيء إليه، ألا وهو التفكير الناقد. وهو لا يأتي عبثا، بل على المربّين الفاضلين، والأهل الكرام تنشئة أبنائهم وبناتهم عليه منذ نعومة أظفارهم؛ لتغدو سمة في شخصيتهم تمكنهم من الحكم على الأمور بشكل صحيح دون سرعة في التعصّب والتحيز.