موفق ملكاوي

تغييب العقل وانحدار التفكير

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 12:07 صباحاً

ليس هناك مجتمع متقدم بطبعه، أو بوعيه الجمعي، فالتقدم يتأتى من تأثير أفراد قليلين يمارسون حراكا معينا، مستهدفين بنياته التقليدية في محاولة للهدم والبناء من جديد.
نجاح أولئك الأفراد سيظل مرهونا على الدوام بمدى قابلية المجتمعات على التواصل مع الأفكار الجديدة، ومدى انخراطها في بحث وجدل إيجابيين، حتى لو تم رفض تلك الأفكار، بعينها، في النهاية، إنما المهم هو تكوين استعداد للمناقشة من دون اتخاذ مواقف مبدئية رافضة للأفكار الجديدة.
لكن ما يحدث في المجتمعات التي تعتقد أنها أنجزت مشروعها وأنه ليس عليها أن تنخرط في سياق فكري جديد لتطوير ذاتها وموقعها الأممي، هو أنها تغلّف نفسها بـ"أفكار غير قابلة للدحض"، مستمدة من التراث مقولات تضفي عليها القداسة، سواء لجهة تقديس النص التراثي غير السماوي أو الأشخاص غير المقدسين في الأصل، وتتخذ وضعية المقاوم لكل ما يمكن أن يأتي به أي مفكر أو باحث رصين.
هذه المجتمعات، تقاد بواسطة "ثيوقراطيات" قديمة متجددة، استندت إلى سلطة احتكار تفسير النص الديني والتراث، وسلطة أخرى لا تقل أهمية عنها، وهي سلطة الفرز بين المكونات المختلفة انطلاقا من المفهوم الديني المتشعب، بحيث بات يقع على عاتقها وحدها مهمة إفراد صفات "الفرقة الناجية" بالمفهوم المتجذر في كثير من الأديان، خصوصا في الثقافة الإسلامية التي لا تتورع فيها الفرق المختلفة من تراشق التكفير، كل يتمسك بما أهدته إليه سلطته الدينية، من غير أن يسمح بمناقشة أفكار الآخرين بانفتاح، أو يسمح لنفسه بالانتماء إلى الثقافة نفسها لمن أطلق عليه صفة الاختلاف وجعله "آخرا".
في هذه المجتمعات يتحدد الإنجاز بـ"الخطاب" لا بالعمل، وتصبح "الإحيائية" طريقا إلى صناعة "وهم المستقبل"، والتدثر بالمنجز الماضوي حاجة أساسية لتغطية عريّ التخلف المعاش، لتحيا المجتمعات، بالتالي، حالة فصام حقيقي عن سياقات الحاضر، وتنقاد مخدرة إلى مزيد من التخلف والانفصام والانغماس بالماضي الذي يمنحها مخدرا زائفا تستعيض به عن عجزها في مجاراة ما هو حاصل لدى المجتمعات الأخرى.
في هذه المقدمة القصيرة تتحدد بوضوح "سيكولوجية التخلف" في مجتمعات ترفض أن تغادر "متردماتها" بعد أن تحول رجال الدين فيها إلى طبقة تمنح "الغفران" وشهادات الإيمان والكفر، معيدة إلى البال حال أوروبا خلال الحقبة الأولى للقرون الوسطى، والتي سميت بـ"الحقبة المظلمة". ولو دققنا في سبب التسمية لرأينا أنها توصيف موضوعي لانحدار مستوى التفكير وتغييب العقل، ولتحكم الغيبيات بجميع مناحي الحياة، ما أدى إلى حروب دينية طاحنة داخل الديانة نفسها، لم يكن فيها غالب أو مغلوب.
لو تصفحنا قائمة "النجوم" على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، خصوصا "يوتيوب"، لوجدنا المعنى الحقيقي لـ"سلطة احتكار تفسير النص الديني"؛ فمئات "الشيوخ الجدد" يحاولون التأطير لمجتمعات منفصلة عن الواقع، وغير مطلوب منها البحث أو العلم أو العمل، فما دام منهجها الديني قويما فالمجتمع بـ"ذاته الخيرة"، سوف يتقدم وينتصر، حتى لو كان عبارة عن مجموعة من الجاهلين والأميين واللاجئين المشردين في قارات العالم جميعها.
هو "منطق" اللامنطق، ومع ذلك، فعقلية القطيع توفر له مريدين كثرا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكراً ,,,, ولكن !! (أبوحيدر)

    الاثنين 17 تموز / يوليو 2017.
    مقالة رائعة نصاً و مضموناً .... شكراً لك أستاذ موفق ولك ألا توافقني الرأي بأن خطاب بهذا المستوى الرفيع لن يفهمه ... بل لن يتقرب إليه إلا من هو بالأصل منفتح التفكير و باحث عن التغيير, و بالتالي سنبقى ندور في حلقة مفرغة نواسي أنفسنا و نشتكي لحالنا. سؤالي: كيف نترجم هذا الفكر الراقي إلى آليات فاعلة و مؤثرة في مجتمعاتنا الراكدة؟؟؟ إيدي بإيديك.... دمتم بخير