د.أحمد جميل عزم

"عملية الأقصى": ليست أم الفحم فقط

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2017. 12:07 صباحاً

ما تدل عليه تفاصيل التحقيق الجنائي الإسرائيلي، في ما يعرف باسم القضية 2000، فإنّ الشبهات تدور حول التعاون غير المشروع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وناشر صحيفة يديعوت أحرنوت، ذات الانتشار الواسع إسرائيلياً، في إشارة لمدى تنسيق رئاسة الحكومة الاسرائيلية للإعلام. ومن يتفحص "الخطاب" الإعلامي الإسرائيلي، عقب عملية المسجد الأقصى العسكرية، يوم الجمعة الفائت، يلاحظ أنّ هناك توجها منسّقا، أو متفقا عليه ضمناً بشكل أو آخر، لحصر موضوع المسجد الأقصى، في ما يسمى التحريض من قبل فئة فلسطينية محدودة، ومن هنا جاء الاحتفال بالإدانة الرسمية الفلسطينية للعملية. ما يحاول الإسرائيليون فعله هو "تصغير" المسألة، فيما ردود الفعل العربية لا تسعى لوضع القضية بحجمها الحقيقي الكبير.
استغل الإعلام الصهيوني أنّ ثلاثة شبان من عائلة جبّارين، من مدينة أم الفحم، الفلسطينية، التي يوجد للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح شعبية كبيرة، هم الذين نفذوا هجوما استهدف الشرطة الإسرائيلية في منطقة الحرم الشريف، للحديث أنّ مهرجانات نصرة الأقصى، وشعار "الأقصى في خطر"، الذي ترفعه الحركة التي يقودها صلاح، بصفتها عملية "التحريض" أو "غسل الدماغ"، التي أدت لغسل دماغ الآلاف أو عشرات الآلاف ممن وصفتهم يديعوت أحرنوت "العرب الإسرائيليين"، بشأن وجود مخطط لهدم الأقصى واستبداله بالهيكل الثالث، كما جاء في الصحيفة، وأنّ أفرادا قلائل منهم "وصلوا نقطة الفعل".
لم يتوقف الإعلام الإسرائيلي كثيراً عند الشق الذي جاء في الاتصال الهاتفي للرئيس الفلسطيني محمود عباس، مع بنيامين نتنياهو، وطالب فيه بوقف الإجراءات الإسرائيلية في الأقصى، وأبرز إدانته للعملية.
رد الإسرائيليون بغضب على بيانات رسمية أردنية ومظاهرات غاضبة في عمّان، ضد اغلاق المسجد الأقصى، ببيان جاء فيه "كان من المفضل أن تحافظ كل الأطراف المرتبطة ومن ضمنها الأردن، على ضبط النفس وتمتنع عن إلهاب وتأجيج الأرواح".
في الوقت ذاته فإنّ ردة الفعل الشعبية والرسمية المسلمة والعربية الضعيفة على الإجراءات الإسرائيلية، وبشكل خاص عدم تحرك أطر العمل المشترك الإسلامي والعربي، على السياسات الإسرائيلية، خارج الإطار الأردني والفلسطيني، تشجع الإسرائيليين على ربط أي مقاومة بالعنف، والإرهاب، والهروب من حقيقة أن أي رد فعل أو فعل في القدس هو بسبب الاحتلال وردا عليه.
حاول الخطاب الإسرائيلي، مجددا، القول إنّ ما يحدث مقاومة لأفراد معزولين  وعنف، وليس جزءا من حركة وطنية فلسطينية، وهو خطاب مشابه تماماً للخطاب الإسرائيلي ضد هبة السكاكين 2015\ 2016، وبموازاة ذلك استمرت السياسات الإسرائيلية لتغيير الأمر الواقع على الأرض، فبدأ دخول المستوطنين إلى المسجد الأقصى، أمس الاثنين، قبل إعادة فتحه للمسلمين. وصادقت اللجنة الوزارية للتشريع في الحكومة الإسرائيلية، يوم الأحد، على مشروع قانون أساسي (دستوري) اشترط موافقة ثلثي أعضاء الكنيسيت على أي قرار انسحاب أو تقسيم في القدس، وثالثا، رد وزير الأمن الداخلي، جلعاد أردان، بصلف على الموقف الأردني، "لدى إسرائيل السيادة على الموقع (الأقصى) بغض النظر عن رأي أي دولة أخرى". وبحسب قراءة موقع "جيروزالم أون لاين"،  لتصريحات أردان فإنه يرى أن "لا ضرورة لأخذ الأردنيين في الحسبان". واستخدام أردان تعبير "الأبواب المخصصة لدخول المسلمين" في الإشارة للخطط لوضع أجهزة تفتيش خاصة على الأبواب، في تلميح لوجود أبواب خاصة بغير المسلمين (اليهود)، في إشارة ضمنية لمضي مخططات التقسيم المكاني والزماني للحرم الشريف.
إنّ محاولة التركيز على أم الفحم والحراك الشعبي فيها، هو محاولة أولا لتقزيم موضوع المسجد الأقصى، ونزع الأبعاد السياسية والقانونية العامة عن الموضوع، ولتفادي فتح ملف السياسات الإسرائيلية في القدس، يساعدها في ذلك محدودية رد الفعل العربي والإسلامي.
يمكن تحويل الإغلاق الإسرائيلي للأقصى لفرصة لتحرك عربي وإسلامي واسعين لإثارة موضوع الإغلاق الموجود في القدس فعلا منذ عام 1967 أمام المسلمين والعرب المسيحيين والمسلمين على السواء، وكيف أنّه دون إنهاء الاحتلال وضمان حرية الوصول للأماكن المقدسية لن يكون هناك سلام.
لا توجه ردة الفعل العربية الفاترة إزاء ما يجري في القدس إشارة مشجعة للسياسات الإسرائيلية وحسب، ولكن أيضاً تغذي حالة الإحباط والغضب في الشارع العربي إزاء الأداء الرسمي. 

التعليق