عيسى الشعيبي

الالتباسات الأميركية تعقد الأزمة الخليجية

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً

في بدايات الازمة الخليجية المتواصلة منذ سبعة اسابيع، بدا الموقف الاميركي بتناقضاته المحيرة، بمثابة احجية عسيرة على الفهم، ومحل علامات تعجب، ليس فقط لدى المراقبين المشدوهين بالتباينات غير المسبوقة بهذه الدرجة من الوضوح بين البيت الابيض واركان الادارة في وزارتي الخارجية والدفاع، وانما ايضاً لدى الجانبين اللذين راح كل منهما يعول على ما يناسبه من تصريحات اميركية معلنة، تدعم موقف هذا على حساب ذاك، الامر الذي زاد من حدة الازمة، وجعل كلا منهما يراهن على كسب الموقف الاميركي الحاسم لصالحه.
    ومع مرور الوقت، وبدل ان تسهم في ايجاد حل لها، ادت الالتباسات الاميركية، المقصودة او غيرة المقصودة، الى تعقيد الازمة الخليجية اكثر فأكثر، وادخالها في حالة استعصاء مفاجئة، الى الحد الذي يمكن القول معه؛ ان التخبطات بين الرئيس دونالد ترامب وكبار معاونيه، هي المسؤولة بقدر كبير عن ارتفاع حرارة المناخ السياسي الخليجي، اكثر من حالة الطقس الطبيعي في هذا الصيف الملتهب، والى تفاقم الاتهامات المتبادلة عبر الأثير، ناهيك عن فتح الطريق اوسع من ذي قبل امام فرض مزيد من العقوبات والتدابير المتبادلة.
    في تعليل اسباب هذه التناقضات الاميركية المثيرة للشك العميق، انقسم المهتمون بفهم ملابسات هذا الموقف الغامض، بين من رأى ان الامر مجرد توزيع ادوار، الهدف منه الاستثمار في هذه الازمة وتعظيم العوائد الاميركية من اطالة امدها، وبين من اعتقد ان المسألة تعبر عن خلافات في وجهات النظر بين البيت الابيض وبين دولة المؤسسات الموصوفة بالدولة العميقة، فيما رأت القلة القليلة ان هذه التناقضات ناجمة عن ضآلة الخبرة السياسية لعهد اميركي جديد، ليست لديه رؤية ولا خبرة، وليس عنده ما يكفي من المختصين ومن رجالات الدولة.
    ومع ان هناك وقائع وشواهد تدعم  اصحاب وجهات النظر هذه، كلاً على حدة، وتمنح حججهم قدراً طيباً من الصدقية، غير ان سياقات الازمة الخليجية الراهنة ترجح صحة كل هذه التفسيرات المتباينة، بما في ذلك اطالة عمر الازمة لعقد مزيد من الصفقات المجزية، وضحالة تجربة هذه الادارة في مجال السياسة الخارجية المتعثرة، خصوصاً في الشرق الاوسط، مع الاستبعاد التام لوجود اختلافات جوهرية في نظام رئاسي يمسك بزمامه سيد البيت الابيض، ويديره عبر مساعدين مخيّرين سلفاً بين تفعيل الاوامر التنفيذية وبين تقديم الاستقالات الفورية.
    ولعل جولة ركس تليرسون الاخيرة في الخليج، وما انتهت اليه من نتيجة بائسة، لا تليق مطلقاً بوزن الدولة العظمى الوحيدة، خير دليل على افتقار ادارة ترامب للخبرة الدبلوماسية اللازمة، حيث يقودها رجل مسن من عالم الاعمال والنفط، كرئيسه القادم بدوره من دنيا المال والعقارات، وهو ما يعزز الرأي القائل ان الاخفاقات الاميركية المتكررة على غير صعيد واحد، نابعة من تكوين هذه الادارة المرتجلة، التي تسوس اقوى دولة على وجه الارض بعشوائية سياسية، اين منها الدول الصغيرة الفقيرة في العالم الثالث، لولا الهيبة الاميركية المتراكمة.
    وعليه، فإن هذه العيوب البنيوية الكامنة في هيكل الادارة الاميركية الجديدة، فضلاً عن المشاكل التي تلاحقها على خلفية صلاتها المريبة بروسيا منذ حملة الانتخابات الرئاسية، هي التي تزيد من الارتجال السياسي، وتضعف الاداء الدبلوماسي، وتربك اربابه الاغرار المستجدين في عالم السياسة، تماماً على نحو ما تجلى عليه الحال في كوريا الشمالية وسورية واكرانيا وغيرها، واخيراً في الازمة الخليجية الواقعة بين اخصام كلهم من حلفاء الولايات المتحدة، التي كانت تستطيع بحكم هذه العلاقة الفريدة ان تنزع الفتيل مبكراً، وتحول دون استفحال هذه الازمة الصغيرة.
    ازاء ذلك كله يمكن الاستنتاج دون مجازفة كبيرة، ان القصور الدبلوماسي الاميركي، حتى لا نقول السذاجة، وربما النوايا السيئة من جانب ادارة تحكمها ذهنية رجالات النفط والعقارات، ممن وجدوا في الازمة الخليجية فرصة استثمارية مربحة، تسببت معاً في تهميش الوساطة الكويتية، ومن ثمة تحويل خلاف قابل للحل على الطريقة الخليجية المتسمة بالتسامح والتراضي والحكمة، الى معضلة تكبر كلما مر وقت اضافي، ودخل على الخط وسطاء اوروبيون كثر، كل واحد منهم يسعى الى حجز مكان له حول المائدة الدسمة، للاستفادة ما أمكنه من هذه الازمة.

التعليق