تحليل اقتصادي

ما الذي تعلمته آسيا من أزمتها الاقتصادية قبل 20 عاما؟

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- يكرس متحف سيام نفسه لاستكشاف جميع الأشياء التايلندية. وحتى الثاني من شهر الحالي، شمل ذلك معرضا يتعلق بالأزمة المالية الآسيوية، والتي بدأت في ذات التاريخ قبل 20 عاما، عندما خسر "البات" التايلندي ارتباطه بالدولار.
وضم المعرض ميزانا يظهر كم من "البات" يتطلب الأمر لموازنة دولار واحد، قبل الأزمة عند قرابة (25 باتا) وبعد الأزمة (أكثر من 50 باتا عند نقطة معينة). ويمكن للزوار قراءة شهادات بعض الضحايا، بمن فيهم سمسار بورصة رفيع المستوى إنتهى به الحال إلى بيع الشطائر، وسيدة أعمال أخبرها رئيسها في العمل بأن تهتم بأمور العمل قبل أن يشنق نفسه. (وفي هونغ كونغ واليابان وكوريا الجنوبية، انتحر 10,400 شخص بسبب الأزمة، وفقاً لأبحاث متعاقبة). وفي تايلندا، أصبحت الكارثة المالية تعرف باسم "توم يام كونغ"، وهو اسم حساء محلي حارق وحامض، ربما لأنها كانت تجربة حارقة ومريرة في الوقت نفسه.
ويبدو عنوان المعرض الفرعي "الدروس غير المستفادة" وأنه عنوان غير عادل. حيث أخذ ضحايا الأزمة (تايلندا وكوريا الجنوبية وماليزيا وأندونيسيا وهونغ كونغ) عبرا كثيرة من هذه الحادثة. وباستثناء هونغ كونغ، لم تعد أي من هذه الدول تعتمد بشكل مكثف على ارتباطها بالدولار لكبح التضخم، ما أعطى عملاتها مساحة أكبر للتحرك بواقع الحال.
وفي الحقيقة، تعتمد الدول المذكورة الاقتراض بعملاتها المحلية بشكل رئيسي حتى لا تقفز التزاماتها عندما تنخفض أسعار الصرف بالنسبة لها. وعند الضرورة، تسعى الدول إلى تحييد تدفقاتها من رأس المال من خلال تعويض ذلك بتحويل التدفقات إلى الجهة المقابلة، بما في ذلك مشتريات البنك المركزي لاحتياطيات النقد الأجنبي.
ويظهر ذلك التغيير جليا في التجارة وميزانيات الحسابات الجارية الآسيوية. وعشية الأزمة، كانت تايلندا –على سبيل المثال- تستورد أكثر بكثير مما تصدر، مقترضة من الأجانب لسد الفجوة. وفي العام 1996، صعد العجز في حسابها الجاري إلى 8 % تقريبا من ناتجها المحلي الإجمالي. وعقب 20 عاما، أصبحت تملك فائضا يتجاوز الـ11 %.
والسؤال الأصعب هو إذا ما كان تعلم هذه الدروس كاف لحماية سوق ناشئة في آسيا أو في غيرها من الحوادث المستقبلية المحتملة. فبعد كل شيء، لم تدرك آسيا احتمالية نشوب أزمة العام 1997 لأنها ظنت أنها قد تعلمت من الأزمات التي سبقتها. وعلى النقيض من دول أميركا اللاتينية المبذرة، كانت دول آسيا تتمتع بمعدلات ادخار مرتفعة وديون عامة محدودة، فضلاً عن فوائض في موازناتها. وفي العام 1996، كان دين حكومة تايلندا المركزي دون الـ5 % من ناتجها المحلي الإجمالي. وحتى الآن، أصبحت الدروس المستفادة من أزمة العام 1997 طاعنة كثيرا في السن. وعانى ضحايا الأزمة الإقليمية القليل نوعا من نسخة الأزمة العالمية في العام 2008 (ولكن، على الرغم من احتياطيات كوريا الجنوبية الضخمة من الدولار، عانت بعض شركاتها مشكلة نقص فيه). وكانت دولة واحدة من دول آسايا فقط (وهي أندونيسيا التي سمحت للعجز في حسابها الجاري بالاتساع) بين الاقتصادات الناشئة "الخمس الهشة"، والتي أثبتت في العام 2013 وأنها عرضة لمعاناة ارتفاع عائدات السندات الأميركية.
لسوء الحظ، عندما يشدد الاحتياطي الفدرالي سياسته، يؤدي ذلك إلى زيادة قوة الدولار في حين تصبح الأسواق الخارجية غير ملائمة تقريبا، ويمكن أن تذهب هذه العملية في مسار عكسي أيضا. بحيث تقدم الشركات متعددة الجنسيات –التي لا تستطيع جمع الأموال اللازمة في الخارج- طلبات أكثر للبنوك المحلية، ساحبة الودائع ومقترضة بشكل هائل. وهذا يضيق الأوضاع الاقتصادية، حتى ولم يرفع البنك المركزي المحلي –الفخور بأسعار صرفه العائمة وسياسته النقدية المستقلة- بنفسه أسعار الفائدة.  وفي حال لم تتم إعادة الأموال المولدة في الخارج إلى الوطن، فهي لن تسجل في الإحصائيات الرسمية كتدفقات رؤوس أموال. وقد لا يولي صناع القرارات المنسجمين مع دروس العام 1997 المستفادة الأمر اهتماما كافيا. وفي ضوء ذلك، فقد يفاجؤوا كثيراً كيف أن القليل من العملة العائمة والديون الأجنبية المحدودة قد تعزلهم عن الظروف المالية العالمية. وتقول حجة أخرى أن الاقتصادات الناشئة قد تكون اعتبرت من أزمة العام 1997 بالشكل الأفضل. ولكن، في محاولة حماية استقرارها المالي، هل ربما تكون ضحت بالكثير من نموها أو ربما عرضت نفسها للاخفاق في مكان آخر؟
قبل وقوع الأزمة، حافظت آسيا على معدلات غير طبيعية من النفقات الرأسمالية من خلال إضافة المدخرات المستوردة من بقية العالم إلى مدخراتها. وعقب الأزمة، كبحت القارة إلى حد كبير قروضها الأجنبية الصافية، وذلك فقط من خلال تخفيض الاستثمار. وكانت بعض استثمارات ما قبل الأزمة باهظة الثمن وتدخل دائرة الاسراف غير المبرر. وأحد الأمثلة الواضحة، هي "ساثورن يونيك" في بانكوك، حي مهجور بصورة مخيفة من الشقق الفاخرة غير المكتملة الممتدة على ارتفاعات تراوح الأربعين طابقاً. أما الآن، فهي تستضيف اليافطات الإعلانية ورسومات الجدران، فضلاً عن ذكرى شخص سويدي حزينة، الذي اختار هذا المكان للانتحار.
وذهبت أعداد لا بأس بها من الاستثمارات سدى. لقد كانت بنية تايلند التحتية تملأ قلوب دول المنطقة بالحسد، لكن نوعيتها انخفضت من ذلك الحين لتصبح خلف تلك الخاصة بالمكسيك، وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي.
"الإيكونوميست"

التعليق