قراءات اقتصادية

تراكم قوة الدولة

تم نشره في الاثنين 17 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

تراكم قوة الدولة

المؤلف: الدكتور معتصم عبدالهادي
الناشر: دار شهر زاد للنشر والتوزيع
سنة الإصدار: 2016
-----------------------------------------------------

هيثم حسان

عمان – ينقلنا الأكاديمي الدكتور معتصم سليمان في كتابه"تراكم قوة الدولة.. نهاية الرأسمالية والاشتراكية طريق التحول إلى الدولة التراكمية الوطنية العربية"، إلى نمط جديد من الكتابة الاقتصادية العربية، التي تؤسس لنظرية معرفية جديدة، بمنهجية تحليلية، زاخرة بالأمثلة التاريخية ذات الدلالة التي تستدعي المقارنة والمقاربة، وهو ما ينم عن قلم أكاديمي خبير في علم الاقتصاد.
ويرى الدكتور معتصم في كتابه أن تراكم قوة الدولة هو القانون الاقتصادي التراكمي الأساسي لتحول الدولة، وهو مفهوم يجمع بين تراكم القوة الصناعية العسكرية (صناعة الأجهزة والمعدات العسكرية والأسلحة بكافة أنواعها) وتراكم القوة الصناعية الرأسمالية (صناعة الآلات والمعدات الرأسمالية) وتنتجها الدولة بتكنولوجيا صناعية وطنية، وتطورها بتراكم معرفتها العلمية والبحثية والعسكرية والتكنولوجية، ما يؤدي إلى تراكم القوة الرأسمالية الصناعية وسيطرة الدولة على تراكم قوتها.
ويعبّر قانون تراكم قوة الدولة في جوهره، وفق المؤلف، عن وجود الدولة التراكمية الصناعية الوطنية، ومضمونها الاقتصادي التراكمي الذي تقام عليه أطر الدولة، وهياكلها السياسية، وأساس انطلاق نموها الاقتصادي المستدام، والذي يفضي إلى بناء ثقافتها الوطنية ولا يعبر عما تملكه الدولة من قوة عسكرية من جنود وأسلحة ومعدات عسكرية، لأن القوة العسكرية هي أحد الأسس التي قامت عليها الدولة تاريخيا.
ويقول المؤلف إن قانون تراكم قوة الدولة لا يرتبط بأي نمط من أنماط الانتاج الاجتماعي، ولا بالحريات السياسية أو الاقتصادية، أو أي شكل من الأشكال السياسية للدولة، أو عدالتها السياسية أو استبدادها، فقد حققت الدول الأوروبية المستبدة والمتخلفة السيطرة على تراكم قوتها العسكرية والرأسمالية بتكنولوجيا صناعية وطنية منغلقة على ذاتها، وأنجزت تحولها إلى الدولة التراكمية الصناعية، فيما الدول التي لم تنجز تحولها ما زالت أسيرة فكرها الاقتصادي الاجتماعي الذي انتهى تاريخيا منذ قرنين من الزمن وقابعة في تخلفها.
ويقول الكاتب إن ثمة شروطا موضوعية لا بد من توفرها لتطبيق قانون تراكم قوة الدولة وتمكين الدولة من السيطرة على تراكم قوتها وإنجاز تحولها إلى الدولة التراكمية الصناعية القومية، وهي شروط مترابطة فيما بينها ولا يحل أحدها بديلا عن الآخر، وتتمثل في شرط إحلال التنظيم المؤسسي للانتاج محل الأشكال السابقة لأنماط الإنتاج، وهو هنا يعبر عن مركزية الدولة ودورها المحوري، كما يشترط الانغلاق والاحتكار التكنولوجي الصناعي الوطني وهو ما يمكنها من السيطرة على تراكم قوتها وإنجاز تحولها وتوحيد ثقافتها الوطنية، أما الشرط الثالث فيتمثل في السوق الوطنية الموحدة والسيطرة على المجال الاقتصادي الوطني، أما الشرط الأخير فهو سيادة ثقافة الدولة الوطنية، ويعتبره المؤلف شرطا ضروريا وجامعا للشروط الثلاثة السابقة.
وتصنف الأدبيات الاقتصادية الدولية الدول إلى مجموعات اقتصادية، وفقا لمعيار تراكم الثروة مقاسا بمتوسط الدخل وأحيانا بقيمة الناتج المحلي الإجمالي، وتقسمها إلى مجموعات ذات دخل مرتفع وذات دخل متوسط وأخرى ذات دخل منخفض، دون الاهتمام بتراكم معرفتها العلمية والتكنولوجية ومدى تراكم قوتها، وتتبنى نظرية تحول الدولة 3 معايير أساسية تم استنباطها واستخدامها لتصنيف الدول وتحديد موقعها النسبي على المستوى الدولي، وهي؛ معيار معدل تراكم القوة، ومعيار معدل التراكم المعرفي، ومعيار معدل التراكم المعرفي المرجح.
وفي الكتاب سرد المؤلف العديد من الأمثلة مثل التحول الأولي في الدول الأوروبية بأشكالها الاستبدادية المطلقة والإمبراطورية، مشيرا إلى المثال البريطاني والأميركي والروسي.
كما عرض للتحولات التاريخية للدول العربية في المجتمعات العربية وانقطاعاتها منذ الدولة التراكمية المالية القبلية وتحولها التاريخي إلى الخلافة الإسلامية والتحول إلى الدولة التراكمية الخلدونية العربية، والتي أحدثت انحرافا تاريخيا في مسار تحول الخلافة الإسلامية وانهيار الدولة الخلدونية العربية، وصعود الدولة السلطوية بدءا من الطولونية ومرورا بالأيوبية والمملوكية وصولا إلى التركية والعلوية في مصر، ومن ثم جاء تقسيم العمل الاستعماري الأوروبي ومنع أي تحولات للدولة في المجتمعات العربية لقرن ونصف، وأدى إلى تفتيت المجتمعات العربية وتقسيمها إلى مستعمرات فاقدة لمضمونها الاقتصادي ومنزوعة من مقومات إقامة دولة تراكمية وطنية عربية ما خلف نتائج اقتصادية وسياسية وخيمة على المجتمعات العربية ما زالت تعاني من تداعياتها حتى وقتنا الحاضر.
وبحث المؤلف في أحد فصول كتابه الدولة التراكمية المالية العربية المعاصرة وعجزها عن التحول إلى الدولة التراكمية الوطنية العربية، وهي دولة مستقلة وفقا للقواعد القانونية والسياسية الدولية، ولكنها لا تسيطر على تراكم قوتها، فهي عاجزة عن القيام بعملية التحول ويخضع اقتصادها لـ 3 قوانين اقتصادية هي؛ قانون التراكم المالي، وقانون الريع المالي، وقانون الولاء لتوزيع الثروة، وتحول سيادة هذه القوانين دون تحولها إلى دولة تراكمية وطنية. وتعتمد هذه الدول في تراكمها المالي على الموارد المالية الريعية وتتصف اقتصادات دولها بمجموعة من السمات المشتركة من حيث أساليب تراكم الثروة وتعددية أشكال تنظيم انتاجها الاجتماعي وسيادة سياستها المالية على سياساتها الاقتصادية، وتضخم أجهزتها العسكرية والأمنية وتطبيقها لسياسات تفضيلية للتكنولوجيا غير الوطنية.
وناقش الاكاديمي الدكتور معتصم سليمان جدلية التحول إلى الدولة التراكمية الوطنية العربية، مبينا العوامل المستبطنة والعوامل الخارجية التي تحول دون عملية التحول وساهمت في تغييب الدولة التراكمية الوطنية من المجتمعات العربية المعاصر.
وفي نهاية الكتاب، عرض المؤلف متطلبات عملية التحول إلى الدولة التراكمية الوطنية العربية، وأن تتبنى السلطة السياسية منهج نظرية تحول الدولة بالسيطرة على تراكم قوتها بمعرفتها العلمية والتكنولوجية الوطنية لإنجاز تحولها باعتباره ضرورة تاريخية للحفاظ على بقائها ونهوض ثقافتها الوطنية.
يعتبر هذا الكتاب من أبرز الكتب التي تؤسس لنظرية تراكم قوة الدولة وتسقطها على واقعنا العربي المعاصر، بطريقة ذكية، مستعينا بالعديد من الأمثلة التاريخية لإثبات هذه النظرية الفلسفية العميقة، التي تدعو إلى بناء الذات الوطنية والقومية، واستثمار العقول والأموال والموارد بأقصى طاقة ممكنة لصالح الدول.

التعليق