هل يُمكن أن تساعد القيادة مع استخدام هاتفك المحمول في إنقاذ الكوكب؟

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً
  • أدريان بريدجوتر - متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

أدريان بريدجوتر

متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

توضح تجربة مبتكرة أجريت في ألمانيا كيفية استخدام الهواتف الذكية للتقليل من انبعاثات عادم السيّارة والمساهمة في مقاومة تغيّر المناخ والمساعدة على تحسين جودة الهواء في المناطق العمرانية. ومن هنا يلقي الكاتب أدريان بريدجووتر نظرة سريعة على أحد الحلول الممكنة للخروج من أزمة المرور التي لا يبالغ بوصفها "خانقة".
تعاني منطقة الشرق الأوسط برمتها من مشكلة ازدحام الطرق، وهو تصريح ندليه عنوة وبأعلى صوت؛ فالمسافة من طرابلس في لبنان إلى العقبة في الأردن تبلغ 700 كيلومتر، والكثير من سائقي عربات النقل التجارية يقطعون هذا الطريق في يوم واحد، والطريق الذي يربط بين مكة والمدينة وجدة من الجهة الغربية للمملكة العربية السعودية هو عبارة عن مسار دائب من الشاحنات والسيّارات. بينما تخلق جسور "الكوبري" العلوية والطرق الدائرية الداخلية في القاهرة دوامة لا تنضب من انبعاثات الكربون والفوضى المرورية. في حين تشهد دبي ظهيرة يوم الخميس مستويات مماثلة من الضوضاء الناتجة عن أزمة المرور على الطرق السريعة.
وتحوم فوق كل هذه الازدحامات المرورية سحب من الأدخنة الخانقة المنبعثة من عوادم السيّارات. وقد فهمنا الآن أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون هي السبب الأساسي لأزمة تغيّر المناخ، وهي ربما أسوأ ظاهرة وجودية تهدد الحياة البشرية، إن أدخنة العوادم هي المصدر الرئيسي وراء هذه الانبعاثات. وإلى جانب هذه المشكلة هناك مسألة جودة الهواء، فأدخنة عوادم السيّارات تُشكل سحباً مهولة تحوم فوق مدننا وتهدد مناخها. وأي شخص سافر إلى نفق سليم سلام في بيروت سيُقرّ بوجود الأدخنة المنفرة والخانقة الناجمة عن حركة المرور المزدحمة في مدننا.
تقتضي المسألة التي نواجهها حاليًا أن نطرح سؤالين: كيف يمكننا تتبع نسبنا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لأسباب بيئية والتعامل معها، وفي المقابل، كيف يمكننا استخدام التكنولوجيا لتعزيز كفاءة استخدامنا للمركبات عموماً، وبالتالي تعزيز المساهمة في إنقاذ الكوكب؟
عفا الزمن عن استخدام ألواح البيانات منذ العام 1999
قد تكون مشاريع قياس جودة الهواء مُكلفة بالنسبة لبعض المدن، إذ إن هذه البرامج تتطلب عادةً أشخاصاً مكرسين للجلوس عند التقاطعات وطرق النقل الرئيسية لإحصاء حركة المرور يدوياً على ألواح البيانات ودفاتر الملاحظات، ولا ينطوي هذا الأسلوب على تكلفة باهظة فحسب (وخطورته في بعض الأحيان) بل هو أيضاً غير دقيق نسبياً لأن هذه العملية لا توثّق سوى جزءاً بسيطاً من حركة المرور في فترة زمنية واحدة، كما أنها عملية غير متاحة دائماً.
إلا أن ظهور توجه تكنولوجي جديد يُطلق عليه "إنترنت الأشياء" أتاح لنا أن نقوم بتثبيت حساسات متصلة بالإنترنت داخل المركبات لتعقب كافة أجزاءها بدءًا من الموقع إلى السرعة وصولاً إلى ضغط الهواء في الإطارات. وهي أنباء مُبشرة تدعو للتفاؤل، لكن إصلاح طريقة استخدام مجمل سكّان العالم العربي للمركبات الخاصة والتجارية لن يحدث بين ليلة وضحاها ولا حتى خلال هذا العام أو حتى في هذا العقد.
في المستقبل القريب، ستقوم سيّاراتنا وشاحناتنا بإرسال البيانات من حساس ضغط الهواء في الإطار إلى مركز بيانات مركزي، وسيعمل مركز البيانات "السحابي" بدوره على حساب استهلاك مركباتنا من البترول بناءً على خوارزمية محددة تشمل أيضاً مستشعراً للظروف الجوية الحالية بالإضافة إلى الازدحام المروري ونوعية سطح الطريق بحسب الموقع الذي نتواجد فيه. ونجاحنا في التعامل مع كافة هذه العوامل سيتيح لنا القيادة بتكلفة أكثر كفاءة وبطريقة مواتية بيئياً.
بيد أننا لم نصل بعد إلى مرحلة إدارة السيّارات الإلكترونية بأحسن صورها، سواءً في منطقة الشرق الأوسط أو أوروبا أو الأميركتين أو أي مكان آخر. فماذا يُمكننا أن نفعل اليوم؟ هل ممكن أن يكون الحل في جيبك؟

جهود الدول العربية في اتفاق باريس للمناخ
ربما تكون دراسة جديدة أجرتها شركة "تيراليتيكس" في سويسرا وسنغافورة قد خلصت إلى طريقة تقوم على استخدام بيانات تحديد الموقع الجغرافي عبر الهاتف المحمول لقياس انبعاثات غازات الدفيئة.
وانطلاقاً من الدقة المزعومة لهذه البيانات التي تصل نسبتها إلى 77 بالمائة، قد تكون هذه الطريقة مناسبة تحديداً للشرق الأوسط نظراً لارتفاع عدد مستخدمي الهواتف المحمولة حتى في الأجزاء الريفية من المنطقة.
ومع الجهود الذي تبذلها حالياً 21 دولة عضوا من أصل 22 في جامعة الدول العربية لتنفيذ سياسات بيئية تتماشى مع اتفاق باريس للمناخ (مع الاستثناء البديهي لسورية المحاصرة حاليًا)، باتت الحاجة لإيجاد حل منخفض التكلفة للتعامل مع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن المركبات ملحة أكثر من أي وقت مضى.
عملت "تيراليتيكس" مع شركة "ساوث بول جروب" المختصة بالحلول المستدامة وشركة "تيليفونيكا ألمانيا" المشغلة للهواتف المحمولة على تجربة أفكارها في مدينة نورمبرغ الألمانية. ويحاول المسؤولون إيجاد حلول جديدة لتعزيز نظافة الهواء لاسيما مع مواجهة المناطق العمرانية تحدٍ يتمثل في تسارع نسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون فيها. غير أن الخطوة الأولى تبدأ بجمع البيانات الدقيقة لتحديد نقاط التلوث الهوائي الملحة الرئيسية، كما يجب العمل على تخصيص الموارد المدنية بعناية ويتعين تبرير النفقات المترتبة عن هذه العملية.
تقول شركة "تيراليتيكس" أن بوسعها تحويل كميات هائلة من بيانات إشارات الهواتف المحمولة إلى معلومات مفيدة حول حركة المرور وأنماط تنقل الحشود في الوقت الحقيقي وعلى نطاق الدولة بأكملها. ويزعم المراقبون أن هذه التقنية أكثر ديناميكية بمراحل من عدادات إحصاء حركة المرور البشرية أو حتى المؤتمتة، إذ أنها توفر معلومات عينية أكبر حجماً عند مقارنتها مع وسائل جمع البيانات التقليدية.
ما مدى ذكاء هواتفنا الذكية؟
ما حجم المعلومات المتعلقة بالنقل التي يمكن لهواتفنا أن تشاركنا إياها؟ يرسل الجهاز المحمول إشارة وينقل البيانات في كل مرة يتصل بها مع برج اتصالات، ويمكن استخدام هذه العملية لحساب السرعة التي تسير بها المركبات وبالتالي تحديد الطرق الأكثر ازدحاماً. كما يمكن تطبيق عمليات رياضية إضافية للخروج بنتائج محددة حول ما إذا كان أحد الهواتف التي يتم تعقبها موجود في طريق محدد تسلكه حافلة أو قطار أو تسير فيه سيّارة أو شاحنة بطريقة غير نظامية.
مدن الشرق الأوسط من مراكش إلى مكة المكرمة (أو أبوظبي إلى أبوسمبل) مكسوة بعدد كبير من أبراج الأجهزة الخلوية وفي مساحات مفتوحة (دون حواجز مادية)، وقد تصل تغطية الإشارة إلى دائرة نصف قطرها 25 ميلًا. بينما يتم إخفاء بيانات المستخدم عبر عملية تتكوّن من ثلاث خطوات تعمل على إزالة أي معلومات شخصية يُمكن التعرّف عليها في البيانات، وعليه يُمكن التوصل لاستنتاجات حول مجموعة كبيرة من الأشخاص فقط عوضًا عن الأفراد. ويجري استخراج تقديرات انبعاثات تلوث الهواء من خلال الربط بين بيانات إشارات الهواتف المحمولة مع أنماط حركة المرور المقابلة لها.
وعلّق الرئيس التنفيذي لشركة "ساوث بول جروب"، رينات هيوبيرجر، حول المسألة قائلاً: "إن القياس الدقيق لانبعاث ثاني أكسيد الكربون وملوثات الهواء قصيرة العمر في المدن تعد مهمة معقدة. ويمكن لهذه الطريقة الجديدة أن تساهم بشكل فعّال في ضمان تحسين تدابير حماية المناخ في المجال العمراني". وأضاف هيوبيرجر أن المشروع التجريبي في مدينة نورمبرغ قد يؤدي أيضًا إلى استحداث برامج مماثلة في دول ناشئة وأجزاء من العالم العربي تواجه زيادة مطّردة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
استخدام الهواتف دون
استخدام اليدين
يقترن نجاح هذه الأساليب الجديدة طبعاً بألّا يقوم المسافرون بإطفاء هواتفهم المحمولة، ولكن أن يقتصر استخدامهم لها على التحدث مع وحدات معتمدة دون استخدام اليدين في حال قيادتهم للمركبة.
وقد تشتمل فوائد إبقاء هاتفك الذكي معك على المدى الطويل على التخفيف من الازدحام المروري والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ومستويات الضباب الدخاني والتلوث، كما يمكن لإبقاء الهاتف الذكي بوضعية التشغيل في حقيبتك أثناء رحلتك عبر القطار أو الحافلة أن يساعد سلطات المرور في تحديد اتصالات أكثر (أو أقل) مع وسائل النقل ما يوفر لنا جميعاً الوقت والمال في حال عملت شركات النقل بصورة أكثر فعالية. وقد يصبح هذا الجهاز المحمول في سيّارتك جزءً من حل للتعامل مع مشاكل جودة الهواء في المنطقة.
ولهذا فإن لقب "هواتف ذكية" الذي نطلقه على هذه الأجهزة هو اسم على مسمى!

التعليق