التعليم النهضوي.. آفاق واسعة لنهضة تربوية (1 - 5)

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

إعداد: مجتمع النهضة التربوية *

يسرني أن أقدّم سلسلة من خمسة مقالات تتحدث عن فلسفة التعليم النهضوي والتي تعنى بنقل التعليم من حالة راكدة الى وضع جديد متحرك. وما النهضة إلا نقلة نوعية من حال إلى حال.
 تتضمن هذه السلسلة فكراً تربوياً نهضوياً ليس مرتبطاً بأي بُعد سياسي او عقائدي، وليس معادياً لأي بعد آخر. إنه فكر موضوعي يعكس طموحاً وطنيا بتطوير التعليم من خلال إحداث نهضة تربوية.
تبدأ السلسلة بمقالة عن التعليم النهضوي وخصائصه وأدواته وأهدافه باعتباره تعليماً يركز على مهارات "كيف": كيف نعرف، وكيف نعمل، وكيف نعيش، وكيف نكون، وهي أهداف عالمية أشهرتها "اليونسكو" كعنوان للتعليم في القرن الحادي والعشرين.
وتتناول المقالة الثانية موضوع المتعلم النهضوي، والكفايات اللازمة له مثل كفايات بناء الذات، والكفايات المعرفية العقلية والكفايات الابداعية والاجتماعية، والتي في محصلتها تبني الهوية ونموذج المواطن المنشود.
اما المقالة الثالثة، فتتحدث عن المعلم النهضوي باعتباره مُعلِماً مُتعلِماً، يعمل في مجتمع متعلم، ينتج معرفة، ويسعى لأن يكون صاحب مهنة، يضع المتعلم في محور العملية التربوية وغاية لها.
 وتتحدث المقالة الرابعة عن المناهج النهضوية باعتبارها مناهج معارف وخبرات لا معلومات وحقائق. مناهج عابرة للمواد الدراسية تهدف جميعها لتحقيق نفس الأهداف، مناهج مفاهيم تستخدم المادة وسيلة لبناء المتعلم وليست غاية بذاتها، مناهج تعليم تفكير وإبداع.
اما المقالة الخامسة فتتناول المدرسة النهضوية باعتبارها مؤسسة اجتماعية تعمل مع المجتمع، لا تقيم اسواراً تعزلها عنه مدرسة متعلمة تنتج افكاراً وخططاً، اشبه بمختبر للتدريب والتجريب.
والهدف النهائي لهذه المقالات هو نشر الفكر التربوي النهضوي وحشد رأي عام قوي يسعى للمشاركة والتأثير على القرار.
ومجتمع النهضة التربوية نشأ منذ أيام، بتوقعات عالية وبحماسة ترافق أي عمل، تجاوز هذا المجتمع بعض مشكلات التأسيس والتنازع على الادوار، وتجاوز اختلافات الرؤى حول الحدود والامكانات، ويهمني ان ابرز في هذا الشأن ما يأتي: -إنه مجتمع بمعنى يمتلك رصيداً من القيم المشتركة والتفاعلات والاهداف، فهو ليس فريق عمل، وليس جماعة او مجموعة وليس لجنة او مجلساً. - إنه موجه نحو العمل: وضع فلسفته في تطوير التعليم، وشكل أدواته وبدأ خطواته الأولى.
كما أنه: - مجتمع مفتوح لكل راغب وقادر، فلا شروط على الانضمام غير الحماسة والقدرة. - إنه مجتمع يحدد دوراً لكل عضو فيه. - إنه مجتمع يهدف الى انتاج مواد تطويرية، وتقديم نماذج تربوية سليمة الى المسؤولين. - إنه مجتمع صديق لكل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية العاملة في مجال التعليم. - إنه مجتمع يسعى للتشبيك مع جميع المؤسسات المدنية ذات الاهتمام بالتعليم.

د. ذوقان عبيدات
رئيس وحدة الاستشارات والخبرة
في "مجتمع النهضة التربوية"

تعرف النهضة بأنها نقلة شاملة من حالة واقعية غير مرغوبة الى حالة منشودة، ومن حالة سكون الى حالة جدلية دينامية، ومن تشتت جهود الى جهود منظمة هادفة.
والنهضة التربوية هي كذلك، نفض التراكمات التي اعترت التعليم آلاف السنين، كان التعليم فيها تراكمياً جامداً، بمعنى بناية بطوابق متعددة ولكنها متشابهة، فلم يقطع التعليم عبر الألفي سنة السابقة مسافات مهمة وبقيت خصائصه كما يأتي:
1 - تعليم ساكن محدد الاتجاه، مدرسة تؤوي الطلبة، معلمون ينقلون حقائق، وطلاب هادئون.
2 - تعليم يعيد انتاج مواطن تقليدي، أشبه بجدّه، يمتلك معلومات الأب والجد، ويطبق حلولهم للمشكلات.
3 - تعليم يخلق مواطناً غير مسكون بأي همّ، لديه اجابات موحدة عن جميع الاسئلة، وحتى يمكن القول انه لا يمتلك اسئلة، لأن جميع الاجابات جاهزة.
4 - تعليم اعتمد عبر تاريخه على نفس الأسلوب التلقيني، معلم يتحدث، ومنهج يقدم حقائق ثابتة، نفس المعلومات، نفس الأداء، نفس الامتحانات، وهذا ما سمّي بالتعليم البنكي، معلم يغطي رصيد الطلبة ثم يسحبه في نهاية العام.
"النهضة التعليمية"
إن النقلات التي يفترض بالنهضة التعليمية إحداثها هي: - نقلات من تعليم تكراري الى تعليم متجدد. - نقلات من اصلاحات جزئية الى اصلاحات شاملة. - نقلات من الإجابات الجاهزة الى الاسئلة التي تبحث عن اجابات مستمرة. - نقلات من تعليم اجباري موحّد الى تعليم مفرّد. أي من الملابس الجاهزة مسبقاً الى ملابس مفصلّة على اجسام مختلفة.
وسأروي هنا قصة ذات دلالة، في ان كريماً يونانياً كان يخرج من منزله ليلاً ليبحث عن ضيف او سائح لا بيت له، فيدعوه ويكرمه، ويوفر له نوماً. وكان لدى الكريم اليوناني سرير حديدي واحد، فإذا نام الضيف وكان طوله اكثر من السرير، يقص من طول رجلي الضيف ليكون على قدر السرير تماماً. اما اذا كان الضيف قصيراً، فكان الكريم يمدّد مفاصل الضيف ويفككها ليصبح على قدر السرير تماماً.
وبعد أن ارتكب الكريم عشرات الجرائم، تأمل وفكر وقال: كان عليّ ان اجهز سريراً مرناً، يمكن تكبيره وتصغيره حسب طول الضيف!!
ونحن في التعليم، كلنا ذلك الكريم، نمتلك سريراً (منهجاً) حديدياً ثابتاً نجبر الطلبة عليه، فإذا فاق الطالب السرير، قلّمنا الطالب ليعود بحجم السرير وإذا نقص الطالب عن السرير، فكّكنا مفاصل الطلبة: ضرباً وتهديداً لينمو وفق سرير. فالنقلة الأولى في النهضة التعليمية هي من سرير حديدي الى سرير مرن!!
التباين والنهضة التعليمية
والنهضة التعليمية تحقق العدالة والكرامة، وتلغي الفروق والتباينات والاختلالات الموجودة. فهناك تباين في الأبنية المدرسية، فمدارس تتمتع بأبنية مدرسية جيدة، واخرى تعاني من بناءات سيئة معظمها مستأجر . وهناك تباين بين مدارس خاصة ومدارس حكومية، وتباين بين مدارس المدينة ومدارس الريف، وتباين بين مدارس مكتظة ومدارس مخلخلة لا طلبة يملأون غرفها.
إذن لدينا تباينات عديدة، ولعل اهمها تباينات في مستويات التعليم بين مدارس المدن ومدارس نائية، أو بين مدارس خاصة ومدارس حكومية. فالنهضة التعليمية الشاملة تتطلب اعادة هندسة المدارس واعادة هندسة التخطيط التربوي بوسائل متعددة، ولعل مشاركة المجتمع ومؤسسات المجتمع المدني مهمة جداً في هذا الشأن، فكل مدرسة خاصة راقية يمكن ان تسهم في تحمل مسؤولية مدرسة ضعيفة بجوارها او خارج جوارها. وكل جمعية مدنية او حزب او نادٍ قادر يمكن ان "يتبنى" مدرسة ينهض بها.
ان وجود التباين وبقاءه لا يعكس أي جهد حقيقي في نهضة التعليم، ولعل القضاء او تقليل التباين هو الخطوة المهمة في نهضة تعليمية.
النهضة والثقافة التعليمية
تتميز الثقافة النهضوية بأنها ثقافة مستقبلية تمكن الطلبة من التمييز بين: - مستقبل سوف يأتي. - ومستقبل قد يأتي. - ومستقبل نرغب في أن يأتي. - ومستقبل قد لا يأتي.
ولكل شكل من اشكال المستقبل أدواته واجراءاته، وتتفق جميع اشكال المستقبل على انها تنقل الطالب من التفكير بالماضي الى التفكير بالمستقبل. فالمستقبل لم يعد في علم الغيب، لأن من المهم أن نعرف ان المستقبل بدأ منذ فترة وما يزال مستمراً، وان ما نفعله اليوم هو ما يحدد لنا مستقبلاً.
فالتعليم النهضوي يعد الطلبة لا لتجاوز الحاضر على حساب المستقبل  ولا للرجوع بالحاضر لحساب الماضي. فنحن نأخذ من الماضي ما يطور الحاضر ونأخذ من المستقبل ما يطور الحاضر والمستقبل.
فالثقافة النهضوية إذن هي ثقافة تخطيط وثقافة تدخّل لتشكيل حاضر نريده ومستقبل نأمله، هذه الثقافة تتطلب ادوات مثل التفكير والتأمل والبحث والتجريب، وتتطلب مهارات مثل التوقع والتنبؤ والإسقاط والتقدير والاحتمال، وتتطلب ابتعادا عن اصدار أحكام. فالمطلوب تعليم نهضوي يتدخل في تشكيل المستقبل واستدعاء المستقبل الذي نريد، واحباط المستقبل غير المطلوب او المرحب به.
النهضة والأيديولوجيا والسياسة
ان اي نهضة يجب ان تبنى على قواعد عامة يتفق عليها من قبل مختلف فئات المجتمع بعيداً عن مشكلتين هما: الايديولوجيا والتسييس. فالايديولوجيا تربط مشروع  النهضة بأفكار وتحيزات معينة، وتطمح لأن تكون متغلغلة في كل مفاصل التعليم، وتريد ان تضع معايير دقيقة ومبادئ ضيقة تنحدر بالنهضة من مشروع وطني الى مشروع حزبي.. والنهضة شمول واتساع.
اما التسييس، فهو إدماج قوى وقيم خفية داخل مشروع النهضة بما يحرفها عن أغراضها ويوظفها لصالح فئة معينة.
فالمطلوب نهضة تعليمية تعتمد المشتركات الآتية: - هوية وطنية جامعة ومنفتحة على الهوية الانسانية. - ذات أو شخصية مفكرة نافدة، تثير اسئلة، وذات نضج عاطفي. - مواطنة ترسخ قواعد العدالة والكرامة الانسانية. والمساواة وعدم التمييز على أي أساس. - حقوق انسان بما في ذلك كرامة المرأة ومكانتها وصورتها كإنسان مستقل ليس مضافاً الى احد وليس مكملاً لأحد! - تعلم مستمر وتعلم ذاتي. - القيم الاخلاقية الانسانية: الحب والخير والجمال هذه مشتركات وقواعد النهضة.
التعليم النهضوي تعليم تنموي
ترتبط النهضة التعليمية بالنهضة الوطنية الشاملة: وهي نهضة اقتصادية - اجتماعية - ثقافية - قيمية- ترتبط مباشرة بخطط التنمية وبرؤى الدولة والمجتمع. ففي بلاد مثل سنغافورة يعرف الطالب أنه يتعلم كي يسهم في بناء اقتصاد البلد! هذا الربط يجعل التعليم كله متوجها نحو الهدف. وحينها تزول كثير من الأوهام مثل: هذه المادة ضرورية! او غير ضرورية! ولماذا حذفتم كذا؟ او أضيفوا كذا.. هذه أوهام في الثقافة التعليمية، فالنهضة تتطلب رؤية لدى النظام التعليمي، يدركها كل من مؤلفي الكتب والمعلمين والأهالي والطالب. حيث تكون هذه الرؤية معياراً للعمل ومعياراً للتقييم. وحين ترتبط النهضة التعليمية بالتنمية، فإن جميع الاهتمامات سترتبط بالتخطيط والتنبؤ والمستقبل.

* مجموعة خبراء متطوعين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تنويه حول التعليم النهضوي ("محمد مشهور" شمس الدين)

    الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2017.
    اتمنى ان يكون لهذه المفاهيم الجديده ارتباط وثيق بماضينا الانساني العريق وما ساهم به من تقدم في مجالات العلوم الحضاره بشكل عام ، لا أن تبتر تلك الاسس لتلقي اسس وقيم جديده ، وحضارة العباسيين اكبر شاهد على اسس التعليم المؤثر والناجح.