علاء الدين أبو زينة

لماذا إدانة تضحيات الشهداء..؟!

تم نشره في الأربعاء 19 تموز / يوليو 2017. 11:08 مـساءً

يوم الجمعة الماضي، عنون موقع "فلسطين اليوم" في رام الله خبراً عن عملية القدس الأخيرة: "عباس يدينُ عملية القدس البطولية". وعنون موقع "دار الأخبار الجزائرية" الخبر نفسه: "الرئيس الفلسطيني يدين عملية القدس"!!! (علامات التعجب الثلاث أصلية). وفي المتن، كتب الموقع الجزائري: "في مكالمة هاتفية جرت بين عباس ورئيس وزراء الاحتلال الصهيوني... لم يتحرج أبو مازن عن إدانة عملية الأقصى...".
أرادت هاتان الصيغتان للخبر إبراز المفارقة في إدانة الرئيس الفلسطيني عملية "بطولية" بالتعريف، لأنها فعل مقاومة. وأكد الموقع الجزائري على المفارقة في الإدانة بعلامات التعجب الثلاث في العنوان، وبعبارة "لم يتحرج أبو مازن"، على أساس أن مثل هذه الإدانة يجب أن تستوجب الحرج. وكانت هذه مجرد أمثلة على ردود الأفعال التي استغربت موقف الرئيس من شهداء الأقصى الثلاثة.
لم يكن من الضروري أن يدين عباس عملية القدس ويصفها بـ"العنف". فقد انطوت ببساطة على كل شروط فعل مقاومة الاحتلال بتعريف المواثيق الدولية: الأهداف كانوا عسكريين مسلحين، وليسوا حتى "مدنيين أبرياء داخل إسرائيل" كما يقول أنصار الكيان لتبرير إدانتهم للعمليات الفلسطينية. وقد تواجد عسكر الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق التعريف الدولي. ولم يترك هؤلاء العسكريون انتهاكاً لكل قانون إلا ارتكبوه، ولم يوفروا فعلاً يستفز الفسطينيين تحت الاحتلال إلا فعلوه، من احتلال المقدسات، إلى حراسة اقتحامات مستوطنيهم لها، إلى حرمان أصحابها من التعبد فيها. ولم يدخر هؤلاء جهداً لتضييق الدنيا على الفلسطينيين، من الاحتلال، إلى الاعتقال، إلى الاغتيال، إلى الإيقاف على الحواجز والإذلال المنهجي لشعب كامل في وطنه التاريخي.
كان وصف الرئيس الفلسطيني رد فعل مواطنيه المبرر منطقياً وقانونياً بأنه "عنف" ومرفوض، يعني بالضبط نزع الشرعية عن حق شعبه المشروع في مقاومة الاحتلال. كما أنه أعطى الآخرين ذريعة لوصف نضال الفلسطينيين اليائس من أجل حريتهم بالعنف والإرهاب، على قاعدة: "من فمك أدينُك".
بالإجمال، لم يخرج هذا التصرف الأخير عن سياق من التذلل الرسمي الفلسطيني المخجل أمام عدو متغطرس، والتطوع بإدانة الذات الفلسطينية بما لا يستوجب الإدانة وإلزامها بما لا يلزم. وكان من ذلك ذهاب رئيس الفلسطينيين لتعزية كيان الاحتلال بوفاة عراب الاحتلال وعدو الشعب الفلسطيني شمعون بيرز، بارتداء وجه حزين!
ربما كانت مثل هذه المبادرات البروتوكولية لتلزم لو أنها تمت بين دولتين مستقلتين -حتى لو كانتا عدوتين- من باب الكياسة والظهور بمظهر الإنسانية. أما أن يبادر إليها ممثل شعب خاضع لاحتلال وقمع مستمرين، ولا يملك مصيره الوطني، تجاه عدو عازم ودموي، فلا يخدم ذلك –كما تثبت الخبرة- سوى المزيد من هدر الكرامة، والاعتراف غير المبرر بذنوب لا وجود لها، والعرض غير اللازم لعواطف لا وجود لها ولا ينبغي أن توجد في الكائن الطبيعي، والتجسيد الواضح للإفلاس السياسي.
كان على الرئيس الفلسطيني أن يستغل فعل المقاومة الفلسطيني غير المتناسب أمام بطش العدو المدجج، ليؤكد على ما يدفع مواطنيه إلى القتل مع حتمية التعرض للقتل: الاحتلال الذي لا سبب غيره. وإذا كان قادة الاحتلال يدافعون كل الوقت عن إرهاب جنودهم ومستوطنيهم وقتلهم الهائل للفلسطينيين ولا يدينونه ولا يسمونه عنفاً، وكل العالم يعرف أنهم قوات احتلال همجي، فكيف يدين رئيس شعب مقهور شرعية موقف مواطنيه المقاوم لاحتلال مُدان دولياً، ويعلنه عنفاً مرفوضاً؟!
الحكمة السياسية في ذلك، والفائدة التي يجلبها للفلسطينيين، تبدو غائبة. لم ينفع تجريد المقاومة من ملابسها في تحقيق استقلال الفلسطينيين ولا صان كرامتهم. ولم تنفع التعزية ببيريز في إشعار قادة العدو بالذنب والشفقة، أو الاعتذار عن عدم تعزيتهم بكل القادة الفلسطينيين الذين اغتالوهم بأيديهم، ولم تستدرج أي شيء متعاطف تجاه الفلسطينيين. وفي الحقيقة كانت حصيلة كل ذلك، التنازلات المستمرة عن الحقوق الفلسطينية من موقف يزداد ضعفاً، وإثارة حفيظة الشعب الذي قيّد قادته يديه بلا طائل.
في الكثير جداً من التعليقات والمقالات، يصف الكتاب العالميون الرئيس الفسطيني تكراراً بأنه "رئيس ضعيف". ومع أن الكثير من العوامل تتواطأ لإضعاف رئيس الفلسطينيين، فإن ذلك لا يبرر له تشويه سرد شعبه الوطني، ويجعله "لا يتحرج" من إدانة تضحية مواطنيه بأرواحهم دفاعاً عن وجودهم ومقدساتهم وحقهم المشروع في مقاومة الاحتلال!

التعليق