التعليم النهضوي.. آفاق واسعة لنهضة تربوية (2 - 5)

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات - (ارشيفية)

 إعداد: مجتمع النهضة التربوية*

(1) يمكن على ضوء المقالة السابقة حول فلسفة التعليم النهضوي، أن نحدد مواصفات المتعلم النهضوي، والكفايات الأساسية التي يحتاج إليها. لقد حددّت "اليونسكو" عدداً من الكفايات المعرفية العامة لمتعلم القرن الحادي والعشرين بما يأتي:
-كفايات تعلُّم كيف تعرف، وتعني امتلاك أدوات المعرفة مثل القراءة والتأمل والبحث والتجريب وتبادل المعرفة.
-كفايات تعلُّم كيف تعمل، وترتبط بكفايات مثل التخطيط وإدارة الوقت والمشاركة وحب العمل والتنظيم.
-كفايات تعلُّم كيف تكون، وتعني امتلاك مهارات إدارة الذات ومواجهة المشكلات، وبناء الشخصية.
-كفايات تعلُّم كيف تعيش، وتعني مهارات التواصل واحترام الآخر، وتحديد الرؤى والأهداف.
هذه مهارات عامة قد تكون كافية لتطوير قدرة الفرد على بناء ذاته وكسب عيشه والإسهام في بناء مجتمعه. وسنفصّل فيما يأتي مواصفات بموجب هذه الكفايات.
(2)كفايات بناء الذات الشخصية
إن امتلاك المتعلم لهذه الكفايات تساعده في التعرف على ذكاءاته وميوله وأنماطه، وتقوده إلى تحديد نمط معيشته ومستقبله ومن أبرز هذه الكفايات:
-كفايات الذكاء العاطفي والاتزان، والتعبير عن المشاعر بطريقة ايجابية، وتنظيم العلاقة النفسية في الآخر، وإدراك الجمال، وتبادل الحب، والسيطرة على الانفعال، والقدرة على التكيف في مواقف متنوعة.
-كفايات احترام الآخر، بما في ذلك مهارات التواصل وتبادل المشاعر، وتقبل الاختلاف، والثقة بحق الآخر، وقبول التنوع بأشكاله المختلفة، دون تحيز او تمييز.
-كفايات التعامل مع المتغيرات، بما في ذلك القدرة على تقبل التغيير والسعي له، والمساهمة في صناعته، وتوجيهه باتجاه مرغوب ما أمكن.
(3) كفايات معرفية عقلية
ترتبط هذه الكفايات بقدرة المتعلم على التعامل مع المعرفة بما في ذلك: -مهارات إنتاج المعرفة وامتلاك أدواتها. -مهارات تنظيم المعرفة من أجل استدعائها او استخدامها عند الحاجة. -مهارات توثيق المعرفة وإرجاعها إلى أصولها ومصادرها. -مهارات تبادل المعرفة مع الآخرين. -مهارات استخدام المعرفة ونشرها.
وهذا يتطلب أن تتوافر لدى المتعلم الخصائص والقدرات الآتية:
1-الرغبة في إنتاج المعرفة مثل الشغف وحب الحياة والاكتشاف والدهشة.
2-القدرة على إنتاج المعرفة بامتلاك أدوات انتاجها مثل البحث والتجريب والتفكير.
3-القدرة على فحص المعرفة، والتأكد من سلامتها، والشك فيها كوسيلة للتحقق من صدقها وسلامتها، وتعتبر هذه المهارات أساساً لأي تفكير نقدي.
4-القدرة على تكوين وجهة نظر خاصة حول الأحداث والظواهر المختلفة وإمكان تطوير وجهة النظر على ضوء متغيرات تحدث، مع عدم التمسك والقتال من أجل وجهة نظر ليس لها ما يدعمها عملياً.
5-الجرأة في طرح الأسئلة من خلال الدهشة والرغبة في المعرفة والوصول إلى بعض يقين، وعدم التمسك بالتعيين اذا وجد ما يخالف ذلك.
6-الجرأة في فحص المسلمات والحقائق والافتراضات التي تملأ فضاءاته من مصادر متعددة مثل الاعلام والكتب المدرسية والاخبار والاشاعات والأقوال المتداولة.
7-استخدام معياري العقل والتجريب في إثبات الحقائق، بمعنى أن يكون قادراً على تحرير عقله من أفكار مسبقة أو معلومات راسخة وقناعات قد تكون غير سليمة واستخدام الحواس والتجريب في التحقق من صحة المعلومة. ويدخل في نطاق ذلك وجود ثقافة إعلامية ومهارات التعامل مع أدوات الدعاية والاعلان وغير ذلك.
(4)كفايات ابداعية
ترتبط هذه الكفايات بإنتاج افكار جديدة واكتشاف حقائق وتغيير قناعات، وتتحدد هذه الكفايات بعدد كبير من مهارات الابداع التي تساعد على إنتاج الأفكار الإبداعية مثل:
-القدرة على الشك وفحص الافتراضات والمسلمات ونفيها كوسيلة مؤقتة لإنتاج افكار جديدة، كما قد تشمل عكس المسلمات أو الإتيان بنقيض أي مسلمة كأداة لإنتاج فكرة جديدة.
-القدرة على استخدام المجاز كوسيلة للإبداع، فعلى سبيل المثال، لو شبهنا الإدارة الحديثة بالفراشة لحصلنا على افكار جديدة عن الإدارة.
-القدرة على إيجاد علاقات بين أشياء لا علاقة واضحة بينها، مثل العلاقة بين الكتاب والحجر، أو الكتاب والعصفور أو الثوم أو الزجاج.. الخ، إن البحث عن روابط بين الأشياء غير المترابطة يقود إلى منتجات إبداعية.
-القدرة على إيجاد استخدامات جديدة لأدوات أو أفكار في غير ما وضعت من أجله، كاستخدام المفتاح في القراءة أو السباحة أو زراعة الشجر.. الخ.
إن مهارات الإبداع هي ما سيميز متعلم النهضة. فالنهضة تستند إلى فكر ابداعي.
(5) كفايات اجتماعية
ترتبط هذه الكفايات بمهارات التواصل والحوار وأركان العلاقات مع الآخر. ويمكن عرض هذه الكفايات بما يأتي: -الثقة بالذات كأساس للثقة بالآخر والرغبة في التواصل معه. -احترام التنوع بأشكاله كافة وعدم التحيز والتمييز. -اعتماد الحوار أساساً للتواصل مع المختلف. -مهارات حل النزاعات دون استخدام العنف. -القدرة على العيش والتفاعل مع المختلف.
-القدرة على العمل في فرق أو مجتمعات وتبادل المعرفة والخبرات. -تحمل المسؤولية الاجتماعية والاسهام في الاعمال التطوعية والتنموية. -يحترم حقوق الإنسان ضمن مبادئ الكرامة والعدالة.
هذه نماذج من كفايات متعلم النهضة، فما الادوات التي تنتج لنا مواطناً بهذه المواصفات. إن مسؤولية التعليم هي انتاج مواطن. ولذلك فإن المجتمع مطالب بتوفير الادوات اللازمة لبناء هذا المواطن، وهي الاسرة أولاً والمدرسة ومناهج التعليم.
إننا بحاجة إلى مواطن قادر على اتخاذ القرار على ضوء معطيات ومعلومات معينة، مواطن يمتلك رؤى خاصة ورؤى ترتبط بالعمل العام. مواطن يتحرر عقله من خدر الماضي، ليتمكن من التطلع إلى المستقبل بثقة ومحبة وأمل. مواطن قادر على مواجهة التطرف والعنف وخطاب الكراهية.
نحتاج لمواطن يمتلك سيولة صوابية. بمعنى عدم جمود حقائقه والثبات عليها فترة دون وجود إثبات على صحتها. مواطن يؤمن بعقله وتجربته، مواطن يتغير حسب متغيرات المستقبل. فما هذه الادوات التي تمكنه من ذلك؟ إنها المعلم والمنهج، فما هو ومن هو معلم النهضة؟ هذا موضوع الحديث التالي.

* د. ذوقان عبيدات/ رئيس وحدة الاستشارات والخبرة بالمجموعة

التعليق