عن العقلية الاستئصالية في العالم العربي

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

ثمة التقاء لا واعٍ بين أصحاب العقليات الإلغائية، فالبنية الذهنية للمُستأصلين تلتقي وتتواصل بعلاقةٍ حميمة عند الأساسات الداخلية، وإنْ كانت تتقاتل وتتذابح على المستوى الخارجي. فعلى مستوى اللاوعي، تندرج العقليات الإلغائية ضمن منظومة أو مصفوفة واحدة، فالإلغاء فعل تبادلي بين ذهنية واحدة؛ الفرق الوحيد هو في تعدّدية الجماجم.
كتمظهرٍ خارج لهذا الالتقاء الداخلي، يُنْتَشَى بالدمّ المُراق (دلالة الدم هَهُنا دلالة مزدوجة فهي من ناحية واقعية إذ تصل الأمور في كثير من الأحيان بين أصحاب العقليات الإلغائية إلى الذبح وإراقة الدماء، ومن ناحية أخرى رمزية على اعتبار إسالة دماء العقول، وسفح دماء المُخالفين معنوياً)، بصفته فعلاً بطولياً يتقابل به الأنداد على مذبح الحياة، ليتقاتلوا على منظومتي الحق والباطل، فيتمرأى للناس المنطوين تحت راية الإلغاء والشطب، انتصاراً للحقّ على أيديهم ودحراً للباطل على أيديهم أيضاً، بما يدخلهم في نشوةٍ مزدوجة عارمة تتوزّع بين فسطاطين كبيرين.
بإزاء هذا الاصطفاف الحدِّي والحادّ، تنحرف الوجهة الصحيحة للكائن البشري الذي يتبنّى أطروحة الإلغاء والشطب، فَبَدَل أن يعمد إلى البناء والإعمار فإنه يعمد إلى التدمير والتخريب، وإذا كانت مأثرة البناء والإعمار الكبيرة هي بناء وإعمار الإنسان، بصفته انبنائي للحقيقي والحضارة، فإنَّ الاشتغال على التدمير والتخريب، بصفته مأثورة اللاغي والشاطب، تعتبر خطوة عكسية ضدّ الحضارة، فاستهداف الإنسان استهدافاً سلبياً على المستويين المادي والمعنوي، يقفُ عائقاً أمام التفكير البنَّاء والمُثمر، فالوقت يُستهلَك على التخطيط لتدمير الخصم، بانتظار الوقت الملائم للانقضاض عليه والنيل منه. لذا، والحالُ هكذا، تتعطّل المُبادرة الحضارية –على مختلف الصُعُد الثقافية والاقتصادية والاجتماعية...الخ- فالبوصلة موجهة ناحية هدف آخر لا علاقة له بالانبناء الحضاري، تحديداً ناحية هدم الشرط الأساسي الذي يقوم عليه المعمار الحضاري ( = الإنسان) وتدمير قواه الداخلية والخارجية.
ولقد أثبتت التجربة التاريخية للكائن البشري أن تفتّت الحضارة يتم أولاً داخل البنى الذهنية، ولاحقاً تُسوّى بالأرض كواقعٍ عملي، فالعقليات المُتخاصمة والمُستأصلة لبعضها بعضا تحتكم إلى شريعة واحدة؛ شريعة التدمير الذاتي، فهي إذ تسعى إلى إلغاء الأطراف الأخرى، فإنها تعمل، في الوقت ذاته، على استعجال تدمير قواها الذاتية، فالأساس الانبنائي لهذه القوى هو الأساس التدميري ذاته، ومسألة إطلاق الرصاص –سواء أكان رصاصاً حقيقياً أم رصاصاً وهمياً- على جماجم الخصوم، هو رصاص مُستقر بالأساس في جمجمةِ مُطلقه والضاغط على نابضه الأوتوماتيكي!.
ولربما كشفت الحالة العربية –في عموميتها- عن حالة الخراب التي وُصِلَ إليها، لناحية تدمير الذات العربية الكُلّية وإحالتها إلى العدَم. فالقوى المُتصارعة (هنا أمكننا الحديث عن الفارق المعرفي الظاهري –المتضامن داخلياً- والمرجعيات الثقافية والإثنية والعقدية التي تحتكم إليها هذه القوى وتستوطن جماجمها، وإدّعاء كل طرف أنه صاحب الحق المُطْلَق في تقرير مصير العالَم العربي، والبتّ في ما سيؤول إليه، بطريقة لم تقد ولن تقود إلا إلى مزيد من إراقة الدماء وتعزيز النهج التعصبّي لدى الأجيال المقبلة) إذ تفتعل دماراً ذاتياً، فإنها تُساهم مساهمة عظيمة –ويا للسخرية- في تفاقم الأزمة الحضارية في العالم العربي، لناحية عطالتها وبطالتها عن تقديم أي بديل حضاري، فالوقت الذي كان بالإمكان استغلاله في الإنتاج والإبداع الحضاري بمنطلقاته المختلفة والمتعددة بما يحترم وجود الآخر المُختلف عقدياً ووطنياً وقومياً وآيديولوجياً وطائفياً بالقدر ذاته الذي يحترم وجود الذات، يُستَنْزَف في الاقتتال والاحتراب والتذابح.
إذاً، نحنُ أمام معادلة أمكنني تفكيك أركانها أو بالأحرى التأشير على عناصرها الأولية، بحيث تصبح أكثر جلاء ووضوحاً:
1 -ذهنية إلغائية واحدة، يحتكم إليها المشهد المعرفي في عموميته على المستوى الجمعي.
2 - جماجم متعددة تُعيد إنتاج هذه الذهنية بالأسلوب ذاته، فالذهنية التي يتبناها الإسلامي مثلاً هي العقلية ذاتها التي يتبناها اليساري، لكن الفارق هو في تموضع هذه الذهنية في تجلّيها الأول في جمجمة إسلامي، وفي تجلّيها الثاني في جمجمة يساري. ففي الوقت الذي يعمد فيه الإسلامي إلى إلغاء اليساري، بما يستلزمه هذا الإلغاء من تدمير له، يعمد اليساري كذلك إلى إلغاء الإسلامي، مع ما يستلزمه هذا الإلغاء من تدمير له.
3 - بما تفضي معادلة: (ذهنية واحدة + جماجم متعدّدة) إلى حقل تداولي لمنظومتي التأثّر والتأثير بين أطياف الاجتماع الإنساني، ينشغل بأطروحة التدمير أكثر من انشغاله بفكرة الإعمار. فعلاقة التأثّر والتأثير لا تقوم على فكرة الإثراء من الآخر بصفته شريكاً في هذا الاجتماع، ومن حقّه الإبداع فيه، بما يخدم النهج الحضاري؛ بقدر ما تقوم على فكرة الأحادية، التي تجتّث أي إمكان إبداعي في طريقها، فهي ترى بعينٍ واحدة، عين مفقوءة أصلاً؛ لذا فهي تسير على غير هدى، بما يُبقي على دعواتها الإصلاحية كدعواتٍ صراخية تُمجّد صوتاً مكلوماً في الحنجرة، لا صوتاً مدوّياً في العقل.
4 - اقتضاء لواقع المعادلة السابقة، وتأثيرها على مسلكيات الاجتماع الإنساني في العالم العربي، فإننا نعيش اليوم حالة من الاستئصال، لا تطال ذواتنا الإنسانية فحسب، بل وتستأصل شأفتنا الحضارية أيضاً، على اعتبار التهديد المبدئي للشرط الحضاري الأصلي ( = الإنسان). فالذهنية التي نحتكم إليها في العموم –وإنْ وجدت بعض البؤر المغايرة، لكنها ما تزال دون المستوى- هي ذهنية واحدة، أخذت بُعداً استئصالياً بالدرجة الأولى، ها هو يفتك بكلّ شيء، اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً وثقافياً. وما تلك التغييرات التي طالت بعض أركان الاجتماع العربي في السنوات الأخيرة، إلا من باب إحداث نقلات في حركة الذهنية الواحدة إلى جمجمةٍ أخرى، غير تلك التي كانت عليها قبل التغييرات، لذا لم نُعاين حتى هذه اللحظة، إزاحات جوهرية في بنية الذهنية الواحدة، وذلك بانتقالها إلى طور ذهنيات مُتعدّدة. بل إننا نشهد اليوم حالة من الخراب الكبير طال كل شيء، كتمظهرٍ عنيف لتلك الذهنية الأحادية التي انشغلت بالتدمير في تكوينها الأصلي أو في مُدخلاتها وفي مُخرجاتها، وفي تداعيات انبثاق المدخلات أو تشكّل المخرجات.
لكن، هذا ليس قَدَرَا مكتوباً، لا يمكن زحزحته وخلخلة بنيانه، بل هو مناط عمل بسيط، عمل ينتقل بإمكانيتنا من طور أحادي سلبي يسعى إلى التدمير؛ إلى طور تشاركي إيجابي يسعى إلى الإعمار. لكن هذه البساطة تتطلّب جهداً جبّاراً على المستويين المعرفي والأخلاقي، سيكون امتلاكهما بمثابة امتلاك إكسير الحياة أو حجر الفلاسفة القادر على نقل الأمة من ذهنية سلبية واحدة إلى رؤوس إيجابية كثيرة.

التعليق