رد من الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

م. حاتم البشتاوي

إشارة الى ما ورد في جريدتكم الغراء يوم الجمعة الماضي بتاريخ 14/7/2017 في صفحة "دين ودنيا" من مقال "الاعجاز العلمي في النص الديني: الوهم اللذيذ" للكاتب معاذ بني عامر، فأرجو التلطف بنشر هذا الرد عملاً بحرية الرأي.
لقد تضمن مقال الاستاذ المذكور جملة من المغالطات والتجاوزات التي تحتاج الى توضيح، والتي تشير في الحقيقة الى ان الكاتب يجهل بعض الأمور الواجب علمها في طريقة التعامل مع كتاب الله المقدس (القرآن الكريم) ومع نصوصه الكريمة العظيمة. ومن الغريب الذي لا يقبله منطق ولا دين أن ينصب المخلوق نفسه حاكماً على خالقه، وأن يُخضع ما هو أعلى منه ومن مستوى ادراكه من الوحي لرأيه ومزاجه، وهو في ذلك لا جرم أنه سيلقى الإخفاق فيما يذهب ويقول، وقد اشار الله تعالى الى ذلك في القرآن الكريم عندما قال: (ولقد خلقنا الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين)، والواجب على الانسان بعامة والمسلم بخاصة ان يتعامل مع كتاب الله بما يستحقه من التقديس والتوقير والتعظيم، وأن يعلم يقيناً أنه مهما بلغ من العلم والمعرفة فانه لم يؤت من العلم الا قليلاً، وان فوق كل ذي عليم.
لقد قال الكاتب: "إن نطاق رجل الدين الاسلامي / البوذي / الهندوسي.. هو النص الديني بينما نطاق العالم هو العالم"، وهو يقارن اولاً علماء المسلمين بعبّاد البقر والحجر، وهي فرية عظيمة لا تسعها الأرض ولا السماء، ثم يريد ثانيا ان يكون رجل الدين رجل كهنوت لا يمت في دينه للواقع وللعالم بصلة، وهل العالم خارج عن نطاق خالقه والمتصرف فيه، واي نتيجة وصل اليها الكاتب بعد ان قرر ذلك بصفته المنفردة ليقول: "ان يأتي رجل دين او عالم ليتحدث عن اعجاز علمي في نص ديني، فهي استجابة لصوت داخلي مكلوم، يرى في نصه نصاً مظلوماً على المستوى العالمي"، ليته يتحدث لنا عما يقصده من هذا النص ويفكك هذه الطلاسم، فما معنى ان رجل الدين او العالم عندما يتحدث عن اعجاز علمي في نص ديني فذلك استجابة لصوت مكلوم، اي صوت واي كلم، ما الذي يريد الكاتب بيانه إنْ كان عنده ثمة بيان، ام هو تحاذق يريد به ان ينطلي على العامة، وكلام خالي المعنى لا ينطلي على العلماء والمثقفين، فليكتب الكاتب ما يريد مباشرة من غير تخف وراء تلاعب بالكلمات لو طلب منها إعادة قولها ما استطاع.
ثم يقول الكاتب عن العالم او رجل الدين: "لذا يسعى الى ابراز قوة هذا  النص، عبر منظومية ثانية يعيشها رجل الدين ذاك او العالم يعمل من خلالها على استدعاء النصوص الدينية القديمة وتركيب العالم الحديث وفقا لمقتضياتها، ثم يصرخ بعالي الصوت: هاكم اقرأوا كتابيه؟!". حقا ان الامر غير واضح للكاتب وانه يعيث في جوانب الكلام ساعيا للوقوع على تعبير سليم فيخفق.
كلام الله ليس نصوصا قديمة، انه كلام أزلي كان وسيبقى، وعبر الرب سبحانه وتعالى من خلاله عن مشيئته، ولا يحق لك ولبشر من أهل الارض ان يتهكم على تلك النصوص بانها قديمة قاصدا انتهاء زمانها ومفعولها، هيهات هيهات لما تقول، وأبشرك انك قريبا بين يدي ربك ستأتي وقد حملت كتابك لتقول: هاكم اقرأوا كتابيه!
ويحاول الكاتب ان يعطي كلماته شيئا من التفوق، فيسوق كلمات رنانة يخفي وراءها ما لا يعلم من المعاني، لماذا يستدعي كلمات اجنبية فيعرّب معناها ومبناها في مزيد من التباهي، يا رجل هون على نفسك لا تجذبنا كلمات "تعبير سيكولوجي"، و"قيمة انطولوجية" وغيرها، ففي العربية ما هو احسن وما هو افصح انه لسان عربي مبين، ان انتماءك لفكر شرقي او غربي او سعيك لتنطق بلسان الشرق والغرب لا يعطيك ميزة ولا يوضح مرادك، وهل تحسب انك بهذا تأتي باعجاز لغوي او تعبيري.
ثم يصل الى ما يسميه معادلة فيقول: "والعجب في هذه المعادلة، هو فيما اسلفت لناحية المرجعيات التي يشتغل عليها اتباع هذه المعادلة، فرجل الدين اذ ينطلق من مقاربة الوجود فإنه ينطلق في ذلك من نصه الديني تحديدا، في حين ان العالِم يقارب الوجود من العالَم". ثم يتساءل: "كيف لمثل هذه المعادلة ان تسري في مجتمع من المجتمعات، وتصير شعارا رئيسيا من شعارات المرحلة، كما هو الحال في العالم العربي في الوقت الحاضر؟". أي مرحلة وأي شعار، ماذا تريد ان تقول، وهل تريد ان تجعل مسارا علميا ما انه شعار، وهل تريد ان تقول انك انت ومن معك انجزتم علومكم وتفوقتم بها ثم جئتم تقيّمون علوم الاخرين وانجازاتهم؟
إن لم تكن تعلم ما الاعجاز وما علومه وما معطياته ومراميه فعليك ان تتعلم اولا وتعرف مكوناته، لا أن تتطاول على العلم والعلماء، وليس لك ان تخاطب العلماء بطريقة تهكمية استعلائية وكأنك احطت بالعلم كله وانت فوق العلوم كلها.
لقد دخلت منزلقا عظيما ودخلت مدخلا صعبا لا تقدر على مجاراته، فمن اراد ان يتحدث عن علم من علوم القرآن او ذات القرآن فعليه اولا ان لا يلبس ثوب القداسة والوقار، وان يلج الكتاب وهو يعترف بنقصه ومحدوديته أمام كمال الله ووسعه. وآمل منك أن تخلي عن نفسك مظهر الحضارة والوسطية، وأن لا تساوي بين النصوص الدينية وبين كتب أرضية ومؤلفات ونصوص من كل حدب وصوب تجمعها وتقدمها للناس على أنها كلها تعبر عن دين، فهذا القرآن لا يضاهيه كتاب، سواء علمت أو لم تعلم، آمنت أو لم تؤمن، فالله تعالى حفظ كلامه الكريم في كتابه فلم يتغير ولم يتبدل، وتحدى به أهل اللغة، فهو لسان معجز اعترف بإعجازه أهل البيان واللغة، فلا ولن يستسلم دونك أو لك، ولا يمكنك أن تساوي بين ما حفظ وبين ما حرّف، ولا أن تساوي بين نصوص مقدسة ونصوص بشرية دونية، وبين الإله الخالق وبين العبيد المخلوقين.
يا ليت الكاتب تحدث عن أمور تهم العباد والبلاد وتحدث عن واقع الناس وعن تحدياتهم، ولو أنه واجه أهل المسؤوليات بمسؤولياتهم، ولو أنه قدم اقتراحات تفيد التقدم وتعمل على حل مشكلات الناس لكان أولى وأحسن. إن مثل هذا الكلام يذكي روح الطائفية والفتنة والتطرف، والمجتمع الأردني مجتمع واع يعظم دينه وشعائره، ويعظم ربه وكلامه، ولا يستسيغ هذا الكلام، ولا يعجب بمثل هكذا خلطات فكرية تعبيرية هشة.
نحن في الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة راغبون أن نقوم بتزويد جريدة "الغد" بعشرات المقالات والأبحاث الرصينة عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

* رئيس الجمعية

التعليق