"وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة"

تم نشره في الجمعة 21 تموز / يوليو 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

ليس وعدا بشريا أو استنتاجا شخصيا، بل هو كلام الله تعالى ووعده الذي لا يتخلف، ذكره الله تعالى في صدر سورة الإسراء، حيث حادثة الإسراء التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم الحديث عن إفساديْ بني إسرائيل في الأرض وعلوّهم العلو الكبير، وبعث الله تعالى عباده أولي البأس الشديد عليهم، وكيف يرد الله الكرة لبني إسرائيل، فيفسدون مرة أخرى، ثم لا بد من إنهاء هذا الفساد، وفيه ثلاثة أمور ذكرها الله تعالى: "ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبّروا ما علوْا تتبيرا".
وليس عبثا أن تكون هناك جماعات يهودية ضد نشوء دولة "إسرائيل"، مثل جماعة (ناطوري كارتا) وتعني حرّاس المدينة، فهذه الجماعة تعادي قيام دولة إسرائيل، وتجدها علامة على نهاية وجودهم في الأرض، فمن أين جاءت هذه المعتقدات إلا أنّ لها أصولا توراتية، يؤيدها ما ذُكر أن اليهود إبان احتفالهم بإنشاء دولتهم العام 1948، كان بعضهم يبكون، ولما سئلوا عن ذلك أجابوا بأن قيام دولتهم هي علامة واضحة على قرب زوالهم، وإن صحت نبوءتهم وأخبارهم فبين قيام دولتهم وزوالها 76 سنة قمرية، أي 74 سنة شمسية، فنهايتهم هي في العام 2022، وهذا ما يوافق دراسات قام بها بعض المسلمين، لكنهم ركزوا فيها على حسابات عددية، وكل ذلك لا يمكن أن نجزم به، لكن الأحداث تبرهن على وجود شيء ما، وقرب حصول شيء ما، فلن يبقى الأمر على ما هو عليه.
لا تهمنا تفسيرات المفسرين القدماء حول إفساديْ بني إسرائيل وأنهما حصلا زمن نبوخذ نصّر، وأن كورش الفارسي أعادهم، فعوقبوا في تلك الفترة، ونلتمس العذر للمفسرين القدماء أنهم ما كانوا يتوقعون نهوض بني إسرائيل –وهم أخس الناس- ليسيطروا على العالم كله، ولذلك جزموا بأن الإفسادين حصلا، بينما النصوص تدل بصراحة على ذكر المسجد ودخوله مرة أخرى، وتدل كذلك على علو كبير، وفساد في الأرض، وهذا لم يكن لليهود عبر تاريخهم إلا في عصرنا الحالي، فالذي يراه كثير من المفسرين المعاصرين أن الإفساد الأول وإنهاءه تم، وذلك في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، وربما يكون المقصود منه ما فعله الصليبيون باحتلالهم بيت المقدس وإفسادهم فيه، فهم من بني إسرائيل، وأيا كان، فما نحياه الآن من فساد عريض وعلو في الأرض رهيب لا يمكن إلا أن يكون هو الذي ذكره الله تعالى، وننتظر إنهاءه كما وعد الله تعالى.
وما دامت النصوص القرآنية من جهة، والتوراتية من جهة أخرى تدل على قرب زوال (إسرائيل)، فإن أحداثا عظيمة سوف تحدث، ليس توقعا أو تنجيما، بل حقائق ودلائل دامغة، فالقرآن يتحدث عن إنهاء الفساد الثاني: "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوْا تتبيرا"، وهؤلاء العباد الصالحون أولوا البأس الشديد لن يوجدوا بين يوم وليلة، ولن ينزلوا من السماء، بل هم من جند محمد صلى الله عليه وسلم، ممن تربى على مائدة القرآن، ولذلك جاء بعد آيات إفساد بني إسرائيل مباشرة قول الله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، فلم تأت عبثا، إنما جاءت لتقول إن الذين ينهون إفسادي بني إسرائيل هم من تربى على مائدة القرآن وشربوا من معينه الصافي.
هناك إرهاصات في الجانبين، في الجانب الإسلامي حيث الوعي والثقة بالنفس وزوال الرهبة من يهود ومَن يمدهم ويؤيدهم، وتم كشف كثير من المستور حيث المؤامرات العالمية سابقا والتأييد لاحتلال فلسطين والتواطؤ الدولي وربما الخيانات العربية، وتم ذلك كله إبان الاستعمار الذي شلّ المسلمين وذهب بإرادتهم، وتوجهت أولوياتهم نحو استقلال منقوص، شكلاً بلا مضمون حقيقي، وإرادة جزئية مكبّلة بمعاهدات ومواثيق مع المستعمِر السابق، وهناك الآن تأييد غير مسبوق من أحرار العالم باعتبار الظلم مسألة لا يرضاها الضمير الإنساني الحر، ولولا بقية من الذل العربي ربما تغيرت الأمور أكثر وأكثر. وهناك أيضا هذا الدمار العام في دول تحيط بفلسطين، ظن مدبروا هذا الدمار أنه سيكون شللا للإرادة، وما علم هؤلاء أنه أيقظ الضمير العربي والإسلامي، ونبّه إلى مؤامرات أصدقاء (إسرائيل) في أن لا يكون وعي ولا استقرار في دول الطوق، ولا بد أن ينقلب السحر على الساحر يوما ما.
وفي الجانب الصهيوني هناك الاستعداد لبناء الهيكل، وبناؤه على أنقاض المسجد الأقصى، وهم يجتهدون ويحضرون للبناء، وينتظرون العلامات الواضحة في ذلك حيث ظهور الثور الأحمر (حسب معتقداتهم)، أو ربما الفرصة السانحة بهدمه بعد تلك الحفريات الكبيرة الكثيرة من جهة، وبأن ينسى المسلمون الأقصى وإلهاؤهم عنه بما يعانونه من مشكلات في بلادهم على كل المستويات، ولكن نسي هؤلاء أن الأمة تضعف ولا تموت، وأن وعد الله حق لا يتخلف.
ونظرة على الأحداث العالمية فهي تشير إلى عدم استقرار على المستويين السياسي والاقتصادي، فالعداوة بين الشعوب وانقسامها وبروز أحلاف دولية أمر مقلق، والانهيار الاقتصادي الأضخم له إرهاصاته أيضا، ما يشير إلى تغيير حقيقي في العالم، ولا ندري ما نتائجه.
هذه الإرهاصات ومعها شدة الظلم والعلو والقهر والتآمر العالمي لا بد مشعرة بحتمية حصول شيء ما، فلا يمكن أن يبقى الحال كما هو، والعجيب أن اليهود هم الذين يبدأون دائما بالعداء والظلم، في تحد سافر واضح في استخفافهم واستحمارهم شعوبَ الأرض، فلا بد أن يحدث شيء.
المدة الباقية لزوال دولة بني إسرائيل (إن صحت النبوءات والأخبار) قليلة، ولا بد أن تحدث أمور كبيرة خلال المدة المتبقية، من جانب المسلمين لا بد من وعي أكبر وإعادة ترتيب الأولويات في الوحدة وتعزيز الأخوّة والتوجه إلى الله تعالى بصدق، ولا بد من حركة عالمية تجلب التأييد ضد القهر والإذلال. أما في جانب الصهاينة فهم في غيّهم سائرون، قتلا وتضييقا وتهجيرا وتزويرا للحقائق، وآخر أفعالهم هذا المنع من الصلاة في المسجد الأقصى، واستعدادهم لاجتياح غزة، ونرى التعاطف العالمي من جهة، والصحوة الإسلامية من جهة أخرى، فكلها أمور لا يمكن أن تأتي إلا بما هو خير في دفع العجلة باتجاه تغيير حقيقي على الأرض، لا بد معه من التزام مع الله، وأخذ بأسباب القوة بأشكالها المختلفة، ووحدة رغم الضعف والتشتت، فاليهود يركزون على المسجد، ومقتلهم بسبب المسجد "وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة"، والله على كل شيء قدير، وهو ولي المؤمنين.

التعليق