ممعوط الذنب

تم نشره في الخميس 20 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

 في تراثنا الغني بالحكم والاقوال والمواعظ والمآثورات الشعبية الكثير من التعبيرات والامثلة الجاهزة للاستعارة والاقتباس للاستخدام في المواقف والاحوال التي  نصادفها او نعيشها. الكبار والصغار والعامة والتجار والوافدون واهل العلم والخبرة  من شيوخ وخطباء، لا يترددون في استخدام هذا الكنز التراثي الثمين للتعبير عن افكارهم وانطباعاتهم ومواقفهم، فهي قادرة على تصوير المشهد وتلخيص العبر واصدار الحكم دون الحاجة الى  كثير من التوصيف والشروحات التي قد تستنزف وقت المتحاورين دون الوصول الى فهم مشترك للنوايا والمواقف والاستنتاجات. 
 العصفور الملون الذي يجري تغيير موقع قفصه ثلاث مرات في اليوم بدا مختلفا  هذه الايام عن الحال التي كان عليها طوال السنوات الثلاث الماضية. فقد بريق ريشه الاخضر والاصفر والارجواني، وقل نشاطه المحصور بين الجدران السلكية لقفصه المدرج، كما تراجعت اعداد القفزات التي كان يستخدمها للفت الانظار كلما انصرف اهتمامنا لأمور خارج المكان الذي يحاول ان يكون السيد الأوحد له.
في الايام التي مضت على وجوده بيننا استطاع الطائر الحذر ان يأخذ نصيبه من اهتمام السكان والزائرين، فقد ظل مهتما بالشكليات التي تلفت الانظار، وودودا مع الجميع، وحائزا على اجماع  سكان المنزل على قبول وجوده رغم قناعتهم بأن لا فائدة ترجى منه. فالكل يتسابقون على توفير احتياجاته وخدمة استمرار عيشه بالمستوى الذي يليق، فلم تخلُ حافظة طعامه يوما من بذور الدخن التي لا يستمتع بتذوق غيرها، وفي كل مساء يجري تغيير الماء في الحوصلة المثبتة على الجدار السلكي للقفص، ونجدد ارضيات القفص ويعاد موضعته في احد اركان البيت ليأخذ نصيبه من النور، ويتجنب صهد أشعة الصيف التي تكفي للاطاحة بكل من يجرؤ على ان يطيل تعرضه لها.
عصفور الزينة الذي اقتصرت حركاته على القفز من زاوية الى اخرى داخل القفص، والزقزقة المرتبكة لبضع ثوان، وتقلبات في المزاج تجعلنا في حيرة  نتجادل حول ما إذا كانت زقزقته فرحا او انزعاجا. الجديد في اوضاع عصفورنا اليوم انه مستسلم لسخونة الطقس عازف عن الاكل ويبدو عليه الانهاك، وريشات ذيله اقصر مما كانت عليه، ولم تعد بشكلها وجمالها المعهودين.
الوضع الذي يعيشه عصفورنا الاخضر اليوم لا يؤهله لأن يبقى حيث هو، بعد أن فقد صلاحية البقاء والقدرة على اداء الحد الادنى من الحركات والقفزات التي ظن انها قد تعجبنا. الذنب الممعوط للعصفور مؤشر على تدهور حالة الطير وفقدان قدرته على ان يزين القفص ويقفز في جنباته ويزقزق ليوهمنا بانه قادر على الغناء.
الطبيعة التي تختار الانسب لا تحتمل ان يبقى على وجهها كائن يفتقر لأسباب البقاء او ضعيف يعيش على قوة الدفع الخارجي، وابناء الطبيعة جاهزون لمغادرة مواقعهم قبل ان يذوي ريش اذنابهم ولا يطالبون دخول الخم اذا ما كانت ذيولهم ممعوطة.
في الثقافات البشرية التي سجلت انجازات اقتصادية رائعة ما يشبه قوانين الطبيعة، حيث يتقدم الاكفاء الذين يقنعون كل من حولهم بكفاءتهم، ويصرون على الانتحار اذا ما اغرتهم المواقع ليفسدوا، او اذا ما تعثرت برامجهم وخيبت امال شعوبهم وناخبيهم.
في العالم الذي تتنافس فيه القدرات والمواهب لا يوجد متسع للطيور الهرمة او الخرفة أو ممعوطة الذنب او من تربت في الأقفاص، فصلاحية الفرد يحددها الانجاز وليس الرضا، ودخول الحظائر لا يتم الا من خلال المعايير التي يعرفها الجميع وليس اصرار الراغبين مهما كانت حالة ريش ذيولهم.
بقي ان اقول ان البعض يرى في استخدام المثل القائل "ما بقي ع الخم غير ممعوط الذنب" اشارة الى بيوت الدواجن المهملة التي تشجع الثعالب التالفة المتعبة ان تهاجمها، ناهيك عما تقوم به الاجيال الشابة من الثعالب واخواتها.

التعليق