موفق ملكاوي

الأدب الذي يبقى

تم نشره في الجمعة 21 تموز / يوليو 2017. 12:05 صباحاً

بعيدا عن عالم الشرق الذي لم يستطع أن يؤسس إلى منظور قيمي وسوسيولوجي للرواية إلا منذ عقود قليلة فقط، يمتلئ الفضاء العالمي بقطع أدبية كتبت منذ قرون عديدة، وما تزال حتى اليوم علامات فارقة في رصدها الحراكات المجتمعية والتحولات الكبرى، وما تزال الدراسات النقدية الحديثة تنتبه إليها، وتحاول أن تستكشف جديدا فيها.
من هذه الأعمال رواية جاين أوستن "كبرياء وتحامل"، التي كتبتها في نهاية القرن الثامن عشر، وبرغم ذلك ما تزال هذه الرواية تمنح المبدعين أفكارا كثيرة في مجالات الدراسات النقدية والمسرح والسينما وغيرها.
لا يوجد ما هو شديد الإثارة أو خارق للعادة في متنها الحكائي، فهي تحكي قصة البطلة إليزابيث بينيت، وعائلتها والمحيط الذي تتحرك فيه هذه العائلة، وذلك من خلال رحلة البطلة في سنوات الشباب ووقوعها في الحب وإخفاقاته.
لكن، وإلى جانب هذه القصة الاعتيادية، تبدو الرواية ثورية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بالنظر إلى كونها كتبت أواخر القرن الثامن عشر، أي في فترة ما قبل العصر الفيكتوري، وقبل بلوغ الثورة الصناعية أوجها في إنجلترا، وبالتأكيد، قبل تبلور الحركات النسوية، وقبل أن تمتلك المرأة خيارات كثيرة في القرار والحياة.
في الرواية، تطرح أوستن العديد من إشكاليات طبقة الملاك بإنجلترا في مطلع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، غير أنها لا تحاول أن تبدو طروحاتها تلك كمن يحمل لافتات كبيرة فوق رأسه، بل تعالجها من خلال قصة البطلة إليزابيث، والتي تبدو أنموذجا مختلفا عن النساء من حولها، رغم أنها تتورط في الأفكار نفسها التي تشغل بال نساء مجتمعها.
تركز الرواية، في مجملها على ثلاثة أمور أساسية: الزواج، المال والطبقة، ولكن هذه الأمور مجتمعة ترتبط بخيط واحد أساس هو المال، فالزواج كان أشبه بصفقات للانتقال بين الطبقات، ليس للزوجين فحسب، بل ولعائلتيهما أيضا، وهو انتقال يهيئ فرصا أكثر لكسب المال، كما أن الزواج كان بمثابة الصفقات المالية المربحة لإحدى العائلتين أو لكليهما.
لكن الثورية التي تنطوي عليها الرواية، هي بلا شك متأتية من الأفكار، حتى ولو لم تكن ناضجة، التي تحملها البطلة، والتي تصر على أن تفتش عن ذاتها وسط هذا الركام الهائل من العادات والتقاليد التي تحكم مجتمعها. ففي حين كانت النساء يتسابقن على الظفر بعريس، تتجرأ إليزابيث على رفض متقدم بطلب زواج، وهو حدث كبير في ذلك المجتمع.
ليس هذا فقط، فالرواية، أيضا، تسخر بطريقة أو بأخرى، من اللياقة واللباقة الإنجليزية، لمصلحة حالة أريحية تعيشها عائلة بينيت التي تعبر عن نفسها بحرية وبعيدا عن التقاليد المرعية.
في مجتمع صارم التقاليد، تتجرأ إليزابيث على سؤال الهوية الشخصية، كما ترفض التنميط في هذا المجتمع الذي يؤمن بالطبقية، وبمنزلة معينة للمرأة يرى معها أنها لا بد لها من رجل تتكئ عليه، ترفض البطلة هذا الأمر، وبدلا من ذلك تقترح أن يكون الارتباط برجل تحبه، وقبل ذلك عليهما؛ هي وهو معا، أن يتخلصا من كبريائهما وتحاملهما تجاه بعضهما بعضا، لكي يكون الزواج بالفعل متكافئا، لكي يتغير المنظور العام الذي يقول "كل رجل صاحب ثروة في حاجة إلى زوجة، كما تحتاج كل امرأة إلى زوج صاحب ثروة". هذه الرواية قرأتها مرتين، وشاهدتها فيلما هوليوديا بتوقيع المخرج آنغ لي، وبطولة النجمة إيمّا واتسون.. وكل مرة أكتشف أن فيها سحرا خفيا يدعوني إلى معاودة التجربة من جديد.

التعليق