ضيف شرف

تم نشره في الأحد 23 تموز / يوليو 2017. 12:06 صباحاً

 لا أظن أن أحدا منا يجد المتعة التي يبحث عنها في اللقاءات الاجتماعية والدعوات التي يجري تنظيمها في الأوساط العشائرية والمؤسسية وحتى بين الأصدقاء. في غالبية هذه المناسبات يتولى شخص أو اثنان مهمة الحديث أو توجيهه في إطار من المجاملة والمبالغة التي تطال كل ما يقال وتفقِد الحديث معانيه ودلالاته الحقيقية.
جلسات النساء والرجال وحتى المناسبات المختلطة تتقيد بنفس البروتوكول الذي يهيمن من خلاله صاحب الدعوة أو منظمها على فضاء اللقاء وتمنحه المناسبة امتياز أن يتحدث متى شاء ويقول ما يريد ويختار الموضوعات ويكون صوته الأعلى بين أصوات الحاضرين.
في العديد من هذه  الدعوات واللقاءات لا يوجد هدف واضح أو منطق معروف  يحدد اختيار المدعوين، كما لا تجري مراعاة عوامل أساسية كالاهتمامات المشتركة والانسجام والتجانس بين المدعوين. باستثناء المدعو الرئيسي فإن بقية الأشخاص يُدعَون ليشهدوا المناسبة أو أاسباب تتعلق بمصالح آنية او مستقبلية لأصحاب الدعوة أو بالمصادفة.
في غالبية الدعوات التي يجري تنظيمها في البيوت أو الخيم والسرادق التي يجري نصبها في الأحياء والمضارب يجري مسح الفضاء وهندسته لتحديد مواقع جلوس  كبار المدعوين وبقية فئات وطبقات الحضور. في الدعوة التي يوجهها المنظم أو الداعي يذكر اسم الشخص الأهم وألقابه لكل المدعوين ويعطي للحضور موعدا   يتقدم على موعد الضيف الرئيس بساعة أو نصف ساعة على الأقل.
 العديد من العاملين في السياسة والاقتصاد والمتقاعدين ممن عملوا في مواقع متقدمة وعدد من سفراء الدول الثرية، وممثلو القوى العظمى والأشخاص المتنفذون ومن يعتقد أن لهم صلات بصناع القرار، أصبحوا ضيوف شرف لمئات الدعوات التي تحظى بالتغطية الإعلامية ويصر أصحابها على حشد أعداد كبيرة من المدعوين لتحويل دعوتهم إلى تظاهرة إعلامية يمكن متابعة مجرياتها في الصحف والمواقع أكثر من المشاركة المباشرة.
في أماكن أخرى وعلى مستويات الأقاليم والمحافظات هناك دعوات كثيرة تحضرها  شخصيات ووجهاء محليون، لكنها لا تختلف كثيرا في التنظيم والإدارة والترتيبات. لخدمة سيل الدعوات الهائل الذي تنامى خلال العقدين الأخيرين نشأ في الاردن قطاع خدمات متخصص لا تختلف معدّاته ومستلزماته عن تلك التي كان يستخدمها حاتم الطائي باستثناء الرز وربما الصنوبر.
قطاع خدمة المناسبات الجديد يوفر لكل الراغبين في استعراض كرمهم وشعبيتهم ونفوذهم الخيم وبيوت الشعر والصواوين بمختلف الأحجام والمستويات، كما يوفر المقاعد المتنوعة والطاولات اللازمة وخدمات القهوة وحتى صبّابيها بثيابهم التقليدية، وخدمات التبخير والطواف على المدعوين بالمبخرة، والمغاسل التي يجري توزيعها على مداخل ومخارج الخيم والصواوين.
المنسف الذي شهدت صناعته تطورا لافتا يتسيد موائد الأردنيين بعد أن استحدثت شركات الطحينة والألبان والمواد الغذائية خطوطا جديدة لإنتاج الجميد المسال. اليوم من الصعب أن تخلو مدينة أو بلدة أو قرية من مؤسسة خدمات الضيافة والطعام التي توفر عشرات الوظائف للنساء والرجال واللاجئين الباحثين عن العمل.
 دعوات الولائم والمناسبات واللقاءات التي يجري تنظيمها في بلادنا تقدم أطباقا دسمة من الطعام، لكنها خاوية وهزيلة في معانيها ووظائفها وإسهاماتها في التأثير والتغير. في هذه المناسبات يجري بعض التهريج والاستعراض والهدر ويندمج بعض الأشخاص في أحاديث جانبية عن الماضي والذكريات، لكن الحاضر والواقع والمستقبل مغيب عنها.. كل ذلك احتراما لضيف الشرف.

التعليق