موفق ملكاوي

الرشوة آخذة بالانتشار

تم نشره في الاثنين 24 تموز / يوليو 2017. 12:03 صباحاً

ما كشفه رئيس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد محمد العلاف، من أن الرشوة في الأردن آخذة بالانتشار والتوسع، ينبغي أن لا يصيبنا كثيرا بالدهشة، فعلى مدار السنوات القليلة الماضية نبه كثيرون إلى أن "الفساد الأصغر" يكاد يأخذ شكل الظاهرة في كثير من المؤسسات الخدمية، غير أن أحدا لم يستمع إلى تلك التحذيرات.
في كثير من المؤسسات، أصبح تقاضي الرشوة أمرا اعتياديا يعلمه كل مراجع لتلك المؤسسات، وهو لا يمارس بسرية كبيرة، بل أن كثيرا من ممارسيه يسردون "بطولاتهم" اليومية في هذا السياق، وكيف أنهم يجبرون مراجعي الدوائر الحكومية على الدفع مقابل الخدمات التي ينبغي أن تكون مجانية أو مقابل رسوم معلومة مسبقة. لكن، وضمن مفهوم الثقافة المجتمعية الجديدة، أصبح لزاما على المراجعين دفع الرّشى لموظفين متكافلين ومتضامنين على "منع" الخدمات المجانية، ليقتسموا غنائمهم فيما بينهم بنهاية كل يوم عمل.
ذات يوم قبل ثلاثة أعوام، وفي إحدى المحاكم الشرعية، عقّد الموظفون معاملة استخراج شهادة زواج لأحد أقربائي، ليتبرع أحدهم بحل المشكلة مقابل دفع مبلغ معين. وقد حاول هذا الوسيط أن يبدو بمظهر المساعد المسالم، وأن المبلغ سيدفعه لأحدهم، وليس لجيبه الخاص، لنكتشف أن جميع الموظفين المعنيين متواطئون على هذا الفعل، وأنها مسرحية يلعبونها على معظم المراجعين.
المسألة لا تتوقف عند هذا الجانب من الرشى الصغيرة، فنحن نسمع، وبشكل شبه يومي، عن قصص وحكايات وقضايا تتصل بمبالغ ضخمة تم طلبها كرشاوى من أجل تسهيل معاملات معينة، وقبل بضعة أعوام شاعت حكايات مرعبة عن مستثمرين حزموا حقائبهم وغادروا البلد بعد أن تعرضوا لمواقف مشابهة.
تقول هيئة النزاهة ومكافحة الفساد إنها حددت عشرين قطاعا يمارس فيها هذا النوع من الفساد، ونحن نقول إن هذا ليس دقيقا تماما، فالرشوة باتت منتشرة في جميع مناحي الحياة.
الثقافة التي كانت سائدة على مدار عقود طويلة من "تقبيح" وذم لفعل الرشوة، تحركت بفعل عوامل عديدة، فأصبحت تبيح مثل هذا الفعل، وفي أحيان كثيرة يغدو سببا للتفاخر من البعض.
كان الفعل مذموما ليس من قوة التشريعات والأنظمة والقوانين، بل بالارتكاز على ثقافة بدوية وفلاحية رأت فيه فعلا منافيا للثقافة التي تشربتها، والتي لم تنطلق من مفهوم ديني فحسب، بل أيضا من مفهوم شعبي يربط الفعل بقلة المروء والرجولة، وبالتالي يبتعد فيها فاعلها عن الصورة المثالية التي يضعها الجميع لصفات الفارس الذي كان مدار حديث القرى والبوادي على الدوام.
هذه الثقافة التي كانت متجذرة لعقود في نفوس الأردنيين، لم تستطع الدولة الاستفادة منها في بناء الإنسان الأردني السويّ الذي يواصل إدانته للرشوة، وغيرها من أفعال الفساد، انطلاقا من منظومة أخلاقية وتشريعية تتجذر في الحياة اليومية وفي المعاملات على مختلف أنواعها، ليبقى الفعل مذموما اجتماعيا ومقبّحا.
غير أن حركية الثقافة تلك هي ما ينبغي أن نقف عندها طويلا، وأن نبحث في أسبابها، فلا يمكن لمجتمع أن يتحرك بين الثقافات؛ من النقيض إلى النقيض، إلا بفعل هزات عنيفة قادرة على خلخلة بناه، وإحداث تغيرات جذرية على مستويات أخرى.
القول إن الهزات الاقتصادية التي عانى منها الأردن منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم وما سببته من تغييرات جذرية في حياة الأسر لها دخل كبير في شيوع مثل هذه السلوكيات، قد يكون صحيحا في جزء منه، ولكنه بالتالي لن يكون كل أسباب المشكلة، فهناك كثير من الفقراء لا يبيحون أخذ الرشوة أو منحها، كما أنهم لا يقبلون بممارسة التسول. وفي المقابل؛ هناك كثير من الأغنياء الذين لا يتورعون عن اقتراف هذا الأمر، ويمارسونه بكل أريحية، وبلا أي شعور بالذنب.
التحولات الاجتماعية والثقافية هذه هي ما يجب التركيز عليه بواسطة دراسات سوسيولوجية، تخرج برؤى محددة، ومنظور حقيقي لكيفية إعادة المجتمع إلى ذم وإدانة فعل الرشوة؛ معطيها وآخذها.

التعليق