محمد أبو رمان

بين الجفر والرابية!

تم نشره في الاثنين 24 تموز / يوليو 2017. 11:09 مـساءً

حتى كتابة هذا المقال، ما تزال الرواية الأردنية المتكاملة لما حدث في محيط السفارة الإسرائيلية، في شقّة مستأجرة من قبل موظّفيها، غائبة، ولا يوجد أمامنا سوى تسريبات أمنية وبيان يتيم من قبل الأمن العام يصف الأحداث، بصورتها الأولية.
     على الطرف الآخر قدّم الإعلام الإسرائيلي روايته عن الحادثة، وتتلخّض بمحاولة المتوفى محمد الجواودة، طعن حارس السفارة الإسرائيلية، بمفك، خلال تركيب غرفة النوم، قبل أن يقوم الحارس بالردّ عليه، فيطلق النار، ما يؤدي إلى قتله ومعه، عن طريق الخطأ (وفقاً للبيان الإسرائيلي) الطبيب الأردني صاحب المنزل المستأجر، الذي تواجد في المكان خلال وقوع الحادثة.
    الصحافة الإسرائيلية تحدّثت، أيضاً، عن إرهاصات لأزمة ديبلوماسية أردنية بسبب ممانعة الأردن سفر الحارس الإسرائيلي، الذي أطلق النار، بينما ترفض إسرائيل التحقيق معه، متمسّكة بحصانته الدبلوماسية، وهو – كما تؤكّد المصادر الأردنية- يتمتع بالفعل بحصانة دبلوماسية، ومسجّل كدبلوماسي، ما يجعل "القانون الدولي"، أيّاً كانت تفاصيل ما جرى، مع الطرف الإسرائيلي.
     بالطبع، منذ أن وقعت الحادثة انشغل الرأي العام الأردني، على مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مكثّفة بتحليل الحادثة، ومتابعتها وترصّد الأخبار والتسريبات، وغاب الإعلام الأردني، لغياب أي رواية أردنية متكاملة، ما خلق فراغاً كبيراً، وأعطى الرواية الإسرائيلية الفرصة كي تحتل الفضاء الإعلامي عالمياً، بسرعة قياسية.
     قد يُفسَّر غياب الرواية الإعلامية الأردنية بالتمهّل من أجل رسم الصورة الكلية، ودراسة الموقف الأردني قانونياً وسياسياً، لأنّ المعادلة دقيقة والتوقيت صعب! حسناً يمكن أن نفهم ذلك، لكنه لا يعني الغياب الكامل، يمكن التواصل مع الإعلام والرأي العام ليوضعا في صورة ما تأكّد من معلومات ووقائع وحقائق، وفي – مبدئياً- الردّ على الرواية الإسرائيلية، ولو على صعيد عدم تأكيدها، إلى حين ينتهي  التحقيق الأولي.
     أيّاً كان الأمر، فإنّ تقديم ما توافر من معلومات أكيدة، والتواصل المستمر مع الشارع، أفضل مليون مرّة من الاختفاء، بما يعزّز ويجذّر حالة الشكوك المتراكمة وفقدان الثقة المتنامي في الخطاب الرسمي، من قبل الشارع، ما يجعل من الأزمة الحالية أزمة داخلية بالدرجة الأولى، وينقلها إلى صراع بين الشارع والحكومة، وليست قضية دبلوماسية بحاجة إلى إطار قانوني وسياسي وطني للتعامل معها.
     المؤشر المرعب في الحادثة هو حجم الانهيار في مصداقية الحكومة والثقة فيها من قبل الشارع، وكما قال أحد السياسيين المرموقين: فإنّ حادثتي الرابية والجفر انتقلتا من ملف مرتبط بالسياسة الخارجية إلى ملف يقع في صلب العلاقة بين الحكومة والمواطنين، في الداخل!
الماكينة الإعلامية للحكومة معطّلة، والحكومة عملياً غير موجودة في المشهد أمام أعين المواطنين، والفراغ السياسي والإعلامي يفتح البوابات جميعاً لكل أنواع الشكوك وسوء الثقة، وشبح القاضي الشهيد رائد زعيتر يهيمن على تفكير الناس، ويثير هواجسهم وقلقهم، وما تزال تداعيات قصة الجفر والارتباك الرسمي في إدارة ملفها مع عشيرة الحويطات، تتدحرج، وهذا وذاك ليس إلاّ الكلفة المريرة التي ندفعها لإصرارنا على تكسير مجاديف مكانة الحكومة، وتشليحها من أدوارها السياسية، لصالح مفاهيم غامضة من التكنوقراطية!
    لو ذكرنا الحقائق في الموقف الأردني في العديد من القضايا، ومن بينها حادثة السفارة، أو ما وقع في الجفر، أو ما يحدث في القدس، سنجد أنّ الرأي العام قادر على التفهّم والفهم، والإدراك، لكنّنا نتعامل – كالعادة- في حالة من الارتباك والتشتت والتحفّظ في الرواية الرسمية، فنبدو – عادةً أيضاً- في موقع المذنب، أو الذي يخفي شيئاً يخشاه!
*ملاحظة، الجزء الثاني من مقال أمس تأجل بسبب تداعيات حادثة السفارة.

التعليق