علاء الدين أبو زينة

في جدل "المهرجان"..!

تم نشره في الأربعاء 26 تموز / يوليو 2017. 11:07 مـساءً

مع عودة مهرجان جرش، عاد الجدال السنوي حول أحقية إقامة الحدث الثقافي والفني. وكان المعارضون لإقامة المهرجان ينطلقون في السابق من موقف معادٍ للفنون. والآن، يتحدثون عن عدم جواز إقامة حدث فني وثقافي في ضوء الأزمة الاقتصادية المحلية، وعلى خلفية التطورات القاتمة التي تلف المنطقة.
في الحقيقة، لا حدّ لمستوى الإحباط الذي يصنعه الواقع الرديء في النفوس، ومراقبة الاتجاه الانحداري الذي تذهب إليه الأحوال بلا وعد بالضوء. لكنّ إلغاء الأحداث الثقافية والفنية من حياة البلدان والناس ربما يكون عرَضاً يضاف إلى الاتجاه الانحداري، وفي اتجاه تجريد الحياة من مؤشراتها الحيوية أيضاً.
دائماً هناك السؤال الإنساني عند الفقدان عن الخيار بين وضع الحزن في الجرار والجلوس عندها، أو الوقوف ومواصلة التجوال في دروب الحياة. وقد أجاب الراحل الكبير محمود درويش، عن سؤال الموت والحياة، باسم الشعب الأكثر إصابة بالألم والنكبة في المنطقة، فقال: "وإنا نحبُّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلاً".
لو كان الموت يجب أن يتغلب على الحياة، لتوقف الفلسطينيون عن الفرح والغناء والزواج والحب، واستسلموا وانتهوا. لكنهم يشيِّعون شهيداً اليوم، ويحتفلون بولادة طفل ويزفون عريساً غداً ويهزجون ويغنون. بل إنهم من أكثر الشعوب إنتاجاً لعناصر الثقافة والفن، من ضروب الأدب، إلى الفرق الغنائية والمسرحية، إلى الأزياء. وهم لا يفعلون ذلك لأنهم بلا حساسية تجاه الفقدان. إنهم يعرفون أن الالتفات إلى الحياة هو خيار وجودي يعينهم على الإفلات من ثقب النسيان. ولذلك يسعون إلى الحياة حيث يستطيعون إليها سبيلاً، ويعبرون عن وجودهم بالمقاومة، وبالجماليات كجزء من المقاومة أيضاً، باعتبارها المؤشرات الحيوية على وجودهم كأفراد وشعب.
وبالمثل، نشاهد جهداً مقصوداً حيث ما تزال الحياة ممكنة في سورية التي تمزقها الحرب. هناك ينتجون الأعمال الدرامية، ويقيمون المهرجانات الثقافية والفنية، بل ومسابقات المواهب الغنائية، ويعرضون الناس على الشاشات وهم يرتادون المقاهي والأسواق. والقصد من ذلك هو أيضاً عرض المؤشرات الحيوية على الوجود السوري، ومحاولة الاقتراب قدر الإمكان من الطبيعية.
في الأردن، يصنع مهرجان جرش مساحة إضافية للتعبير عن الحيوية في المنطقة المليئة بالموت. وليس من المفيد في أي شيء أن يَطلبُ أحد من بلدٍ وُهبِ إمكانية للإشراق في هذا المحيط المحبط القاتم، أن يطفئ أضواءه ويُسكتَ أصوات الفرح المتاح فيه، ويركنَ إلى الانكفاء والعتمة. بل إن ازدهار الإنتاج الثقافي والفني يشكل جزءاً من حالة مقاومة التطرف والجمود والشلل التي تهاجم المجتمعات والدول بلا رحمة.
بعض الذين يعارضون إقامة مهرجان جرش، ينطلقون من مشاعر عفوية، على طريقتنا القديمة في إغلاق التلفاز والراديو إذا كانت هناك حالة وفاة عند جيران، تعبيراً عن التضامن. لكن البعض يعارضون المهرجان من منطلق العداء المدروس والمبيّت لكل وأي شكل من أشكال الثقافة والفن، سواء كان ذلك في السلم أو الحرب. ويُلبس هؤلاء إلى هذه الأنشطة أشياء ليست لها، ويصورونها على أنها معادية للأخلاق والجدّية والإحساس.
ليس المرء مضطراً إلى تخيُّل ركود الحياة وضيقها عندما تضيق مساحة الثقافة والفن في المجتمعات. فلدينا في محيطنا أماكن فيها ثلاثة أرباع الحياة معدومة، بلا مهرجانات ولا تشجيع على إبداع. لكنها مع ذلك ليست واحات للتقدم والقوة والإنسانية. وربما يكون تميزها الوحيد هو الرصيد الإضافي من الكآبة.
الدعوة إلى وقف مظاهر الحياة الطبيعية بكل تنويعاتها، حيث يُتاح اسئنافها، هي دعوة إلى الموت والظلام فقط. وطبيعية الحياة تعني بالضبط كونها "مهرجاناً" تعرض فيه تجلياتها وتجسيداتها. وليس هناك منطق مُخلص في الترويج لفكرة تجريد الحياة من الشعر والمسرح والموسيقى والفن، بذريعة أن هذه المكونات هي التي تُلهي الناس عن العمل الجدي أو تخدّر مشاعرهم. بل العكس. كان المعادون لهذه المؤشرات الحيوية هم الذين نقلوا السواد والموت من المجاز إلى الواقع. وحيث ساد هؤلاء صمتت المهرجانات، وكل شيء أيضاً.

التعليق