جميل النمري

إنقاذ الكرامة الوطنية

تم نشره في الخميس 27 تموز / يوليو 2017. 11:09 مـساءً

فش غلنا ولو قليلا وزير الخارجية وهو يصف تصرف نتنياهو بغير المقبول والمعيب والمخجل، وأتخيل المسؤولين كانوا يعضون شفتهم حتى تدمى وهم يشاهدون فيديو نتنياهو يتحدث مع السفيرة والقاتل بعد دقيقتين من عبورهما الحدود ويفكرون أنه لو عادت عقارب الساعة دقائق الى الوراء لكان توجب منع الموكب من المغادرة فلا تقع تلك المكالمة الهاتفية المصورة من مكتب نتنياهو وهي استعراض مرتب بدقة وتوقيت يناسب غرور الرجل ووقاحته التي لا تحتمل. أعتقد أن كل أردني شعر برأسه يتنكس من لحظة خروج الاسرائيليين عائدين فرحين والقاتل معهم دون كلمة اعتذار أو أسف أو وعد بمتابعة القضية وإحقاق العدالة.
الآن نسمع أخبارا غير رسمية أن الأردن لن يعيد أحدا من طاقم السفارة الى عمان الا بعد محاكمة القاتل. نتمنى أن  يكون القرار كذلك وأن يبقى الغضب قائما فالإهانة بليغة. نتمنى أن تبقى السفارة الاسرائيلية مهجورة تنعق فيها الغربان وشاهدا على مسؤولية نتنياهو وسياسته مع أركان اليمين الاسرائيلي الحاكم في تخريب السلام والعلاقة مع الأردن. وقد قرأنا تعليقات في الصحف العبرية تعبر عن الاستياء من سلوك نتنياهو في هذه القضية كما في موضوع الأقصى.
القاتل يتمتع بالحصانة ولم نكن نستطيع القبض عليه ومحاكمته لكن كنا نتوقع مماطلة في السماح له بالمغادرة لبضعة أيام يكون التحقيق والادعاء الاردني خلالها قد استكمل بناء أركان القضية الجرمية وتكييفها قضائيا بكل دقة ثم يطلب رسميا من الاسرائيليين التنازل عن حصانة رجلهم لمحاكمته هنا وهم طبعا سيرفضون فنتفاوض على آلية العمل لإحقاق العدالة والضمانات لذلك، فلا يكون خروجه وطاقم السفارة بهذه الطريقة المهينة لنا ولا يملك نتنياهو ان يقول للقاتل متبجحا أمس وعدتك واليوم أخرجتك، ويستقبله ويأخذه بالأحضان دون أدنى اعتبار للضحايا وذويهم أو حتى للمسؤولين الأردنيين أمام شعبهم.
لقد خرج القاتل وأركان السفارة بسرعة قبل ان تقدم لنا رواية أردنية عن الحدث وكل تفصيل فيها مهم لتكوين موقف بغض النظر عن مسألة الحصانة التي لا نجادل في أن الأردن ملتزم بها كدولة محترمة تريد ان تحافظ على نظرة العالم واحترامه لها، لكن هذا جانب يقابله جانب آخر لا يقل أهمية لهيبة الدولة واحترامها وهو حرص الدولة على كرامة وحقوق مواطنيها الذي يجب أن يكون على نفس مستوى احترام القوانين والأعراف الدولية ولذلك كان يتوجب تصعيب الأمور قليلا. ولا تعوزنا الوسائل لإعاقة سفر الجماعة ومراوغة الضغوط الأميركية لو تمتعنا بواحد بالمائة من لؤم عدونا.
الموقف الرسمي ينفي ويرفض حكاية المقايضة مع قضية الأقصى ( إغلاق ملف الجريمة مقابل إلغاء الإجراءات الاسرائيلية في الأقصى)  وهو موقف صحيح فالدول لا تقايض على العدالة الجنائية، وبالعكس فالموقف الرسمي الآن يتشدد في إعلان متابعة الجريمة قضائيا. أما المعركة حول الأقصى فهي في مستوى وسياق آخر ومعلوم أن  نتنياهو كان يفكر في مخرج ما للتراجع، وقد تكون  أجواء الأزمة مع الأردن وطلبه المساعدة الأميركية قد دفعاه لتسريع القرار. ومع ذلك لم نسلم من خطاب غبي يفتح النار على الأردن بسبب هذا الربط المدعى، ففي فيديو تعمم على وسائل التواصل نرى خطيبا يهدر أمام جمهور في محيط الأقصى متهما الأردن وقيادته بالتسلق على دماء الشهداء وتضحيات المرابطين وادعاء فضل دفع اسرائيل للتراجع عن اجراءاتها. مع أن الخطاب الرسمي لم يدّعِ ذلك في أي لحظة. لكن لن نعدم حتى في هذه الظروف من يختار المناكفة الغبية ودق أسافين الفتنة الحمقاء.

التعليق