إشارات وشواخص

تم نشره في الخميس 27 تموز / يوليو 2017. 11:08 مـساءً

لنقل إنه في المرات القليلة التي يسافر فيها المرء من عمان إلى إربد أو العكس فإنه يجد نفسه كالغريب الذي يرى أكثر. إنه يندهش من العمل العظيم الذي قامت به الدولة لفتح هذا الطريق الساحر (وغيره كثير) ذي المسربين الواسعين، ولإضاءته على طوله.
والحقيقة أن المنصف يقدر التطورات العمرانية الهائلة في الأردن بما في ذلك الطرق الرائعة الخارجية والداخلية منها، التي تجلت في العقود الأخيرة. إنها حقاً مفخرة، لو بُدئ في إنجازها اليوم لتضاعفت الديون المترتبة عليه.
ولكن عين الغريب كما قلنا تعجب من غياب التخطيط الاستراتيجي من اوتستراد اربد – عمان.  ويتمثل هذا الغياب بعدم تفكير المعنيين في حينه في موضوع التعرية، مع أن أي تلميذ في المدرسة يعرف أثرها الكبير في تشكيل سطح الأرض بتأثير الرياح والمطر والحرارة والزلازال... فيه. لقد ترك المعنيون جوانب الطريق المنحوتة وكأنها قصت بحد السيف على حالها، غير آبهين بتفكيكها بفعل التعرية، واحتمال انهيارها وإغلاقها الطريق وهي تفعل الآن، وستتسبب بانهيارات أخرى على الطريق.
تتكبد الدولة كلفة كبيرة في كل مرة لفتح طريق أو اتوستراد. أما كان أفضل ألف مرة لو تمت وقاية الطريق من الانهيار بدلاً من الانشغال بعلاجه وإزالته. لو تمت وقاية الطريق في أثناء إنشائها أي بتهذيب تلك الحواف وإبعادها عن الطريق إذا انهارت، أو على الأقل بزرعها بالأشجار للمحافظة على تماسك التربة، لوفر الأردن الكثير من الجهد والمال. أخشى أن كلفة العلاج المباشرة وغير المباشرة للانهيار الواحد تساوي أو تزيد على كلفة الوقاية. صدق من قال: إن غلطة الشاطر بألف.
أما الإشارة الثانية أو الشاخص الثاني فلا يقل أهمية وان كان لا يراه أحد، وهو إعلان وزير التربية والتعليم "أن الوزارة بحاجة إلى إنشاء ستمائة مدرسة في السنوات العشر القادمة لاستيعاب الزيادة السنوية في عدد الأطفال الذين يلتحقون بها"، وعدم إقبال الأثرياء أو المحسنين على التبرع لبناء هذه المدارس، وإقبالهم على إنشاء الجوامع، مع أن كثيراً منها لا يجد من يصلي فيه أو يقوم بالخدمات اللازمة المنظمة لها.
ترى لماذا يتبارى أغنياؤنا ومحسنونا في إنشاء الجوامع ولا يتبارون ولا يفكرون في إنشاء المدارس مع أن التعليم في الإسلام فريضة على كل مسلم حسب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وليتم هذا التعليم لا بد من مدارس توفره، والمتبرع ببنائها يحصل على الأجر نفسه الذي يحصل عليه من تبرع ببناء جامع، وربما أكثر لأن الجوامع القائمة كثيرة، بينما الحاجة إلى المدارس ملحة. هل لأن الأغنياء أو المحسنين في بلادنا لا يؤمنون بالتعليم، أو لا تهمهم حاجات الأطفال منه مثل ما تهمهم حاجات آبائهم إلى الجوامع؟ إن الصلاة أو العبادات في الإسلام يمكن أن تتم في أي مكان، بينما لا يمكن أن يتم التعليم بدون مدرسة.
أدعو الحكومة إلى إصدار تشريع يجبر كل متبرع/ محسن ببناء مدرسة أولاً في منطقة بحاجة إليها قبل بناء جامع وبالحجم والفخامة والتجهيزات نفسها، على أن تكون المسافة بين الجامع الجديد وأي جامع آخر لا تقل عن ألف متر. كما يجب إلزام المتبرع ببناء جامع توفير الخدمات البشرية اللازمة له على طول، مقابل إعفائه من هذه الخدمات في المدرسة التي يتبرع بإنشائها والتي يجب أن تسمى باسمه.
المتبرع أو المحسن الصادق مع نفسه ومع المجتمع ينظر إلى الحاجة العامة أولاً وليس إلى تطهير ماله أو التصدق عن أمواته فقط لأن الأحياء هم الذين يحتاجون إلى التبرع لا الأموات.

التعليق