موفق ملكاوي

"قلب الظلام": "مانيفستو" المخلص الأبيض

تم نشره في الجمعة 28 تموز / يوليو 2017. 12:06 صباحاً

"الرعب.. الرعب".. تلك كانت آخر كلمات كورتز بطل رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام"، لزميله مارلو وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. هي جملة تلخص تاريخا من الاستعمار المتوحش الذي خطّه المستعمر الأبيض المتوحش فوق جسد أفريقيا.
في كلماته تلك، ربما أراد جوزيف كونراد أن يقدم إدانة عميقة للإمبريالية التي كانت ما تزال في مراحلها الأولى، وأن يؤشر بوضوح على المستقبل الذي ستخلفه الحقبة الاستعمارية على الشعوب التي تقع ضحية لها.
حتى اليوم، ما يزال هناك نقاد يتهمون الروائي البولندي البريطاني بالعنصرية، وبالترويج للاستعمار والإمبريالية في روايته تلك. لست أكيدا من ذلك، ولكن السؤال المهم في هذا السياق، هو لماذا يختار بلدا مثل الكونغو ليكون مكانا لروايته، فينطلق بتصوير الممارسات العنصرية والاستعمارية في حق السكان الأصليين.
إن قصة استعمار الكونغو تبقى واحدة من القصص الأشد قتامة في تاريخ الإنسانية، فالأرقام تقول إن الملايين تم إزهاق أرواحهم خلال الاستعمار الذي استمر زهاء ستة عقود حتى العام  1960، خصوصا إبان حكم ملك بلجيكا ليوبولد الثاني الذي تصرف بمنتهى الوحشية مع الكونغوليين.
في رواية كونراد، والتي كتبها في العام 1902، خلال "ازدهار" حكم ليوبولد، نجد كثيرا من التصويرات التي تحكي كيف تتم معاملة السكان الأصليين، وكيف ينظر إليهم على أنهم أدنى درجة من الحيوانات، وأن أهميتهم الوحيدة تنبع من كونهم عبيدا قادرين على العمل في جميع الظروف، ولا يجوز لهم التذمر أو المطالبة بأي حقوق.
مجريات الرواية، ورغم تفاصيلها المرعبة، إلا أنها لا تخرج عن السياقات الحقيقية التي أدارت فيها بلجيكا هذه المستعمرة، فقد تبدّى حكم الرجل الأبيض للكونغو في أبشع صوره وممارساته، مستعينا على تنفيذ أطماعه ومشاريعه الاستعمارية بالقمع والمذابح الجماعية التي نفذها من إيمان حقيقي بأولويته وعلوه على السكان الحقيقيين، والذين وضعهم في مرتبة الحيوانات، وبذلك لم يمتلكوا، بالنسبة إلى مفهومه هذا، حرمة كالتي يمتلكها البشر الآخرون.
الموت تحت السياط، تقطيع الأطراف، الموت من طول ساعات العمل، التجويع، تجارة العبيد وإرسالهم إلى ما وراء البحار للعالم الجديد، اغتصاب النساء وقتل الأطفال، وغيرها من الأمور الوحشية، كانت ممارسات يومية تكشف عن الوجه الأكثر قبحا الذي يمكن لإنسان أن يمتلكه.
ولكن كونراد يستقصي أكثر مما هو موجود من علاقة بين الرجل الأبيض و"ممتلكاته" من العبيد، فهو يذهب إلى تصوير العلاقات بين البيض أنفسهم فيما بينهم، ليدلل على الفساد الأصيل الذي يختزنه الإنسان، والفردية والأنانية التي يحدد من خلالها أولوياته. ولعل العلاقات الملتبسة بين أبطال الرواية خير دليل على اللاإنسانية التي تدار فيها العلاقات، وعلى المصالح الضيقة التي تتحرك فيها الشخصيات بعيدا عن قيم عليا من المفروض أن توجّه بعض علاقاتنا وأفعالنا. فالشخصيات مشغولة دائما بصوغ المؤامرات ضد بعضها بعضا، بهدف ربح امتيازات جديدة.
رغم أفول الحقبة الاستعمارية العسكرية، إلا أن "ثقافة" المخلص الأبيض ما تزال 
ماثلة بيننا حتى اليوم؛ في آسيا وأفريقيا والعالم الثالث على امتداده. وإذا كانت تجارة العاج والمطاط والرقيق ولّى زمنها، فإن هناك عبوديات كثيرة يرزح العالم الثالث تحت نيرها، فالاستعمار ما يزال قائما بصورته الأكثر ذكاء، وهو الاستعمار الناعم بوساطة شركات استعمارية عابرة للقارات، أو مؤسسات دولية تضفي على نفسها سمات الجدية، غير أنها لا تختلف عن أبطال "قلب الظلام". أما التدخل العسكري، فهي تترك لنا حرية الاقتتال فيما بيننا، لتمتلئ أوطاننا بملايين الجثث، من دون أن تنزل قطرة عرق واحدة مباركة من جندي أبيض صالح.
الرعب الذي عبر عنه كورتز، كآخر ما قاله في حياته، لم يكن ما شاهده في حياته، بل كان يستشرف مرحلة مقبلة من عمر البشرية، وهي نفسها التي نعيشها اليوم في بركة الإمبريالية الممتدة التي طوّرت من أدواتها، فما عادت تأتي بطائراتها ودباباتها وبنادقها، بل برجال أعمال أنيقين، يرتدون الماركات العالمية، وجيوبهم مليئة بالموت. يقتسمون العالم فيما بينهم، ويحولونه إلى سادة وعبيد، ليعيدوا صياغة وظيفة العبيد من جديد؛ جنود في خدمة الإمبراطور الأبيض!

التعليق